تفسير الإصحاح ١٩ من إنجيل متى — ص ٣١٧
القسم: الملكوت والغنى (المثل)
الكمال الذى لا يصل إليه إلا القلة بإنكار الذات بينما يقنع الباقون بدخول الحياة الأبدية بإطاعة الوصايا فقط آية ١٧ ، بل إن كل التلاميذ مدعوون إلى أن يصلوا إلى « البر » الذي يزيد على بر الكتبة ( مت ٥ : ٢٠ ) ، وأن يكونوا « كاملين » ( مت ٥ : ٤٨ ) . وبهذا الطلب الفاحص عرف يسوع الشاب كيف أن بره المزعوم ( آية ٢٠ ) لم يكن في واقع الأمر كافياً ، وأن بره الذاتي لم يشبع احتياجه الحقيقي . فإن طاعة الوصية الواردة في لا ١٨:١٩ طاعة كاملة ، وإلى إنكار حقيقي للذات الأمر الذي لم يكن مستعداً له . ولذلك مضى ، ولا يوجد ما يدل على أنه عاد ثانية ، أو أن ما زعمه من « حفظ الوصايا » ، قد أتى به إلى الحياة ، التي كان يبحث عنها .
أما الطلب الآخر الذي طلبه يسوع فقد تضمن عنصرين : أولاً « بِيْع » ثم « إعطاء » ، وبعد ذلك اتباع يسوع . والعنصران لا يجب الفصل بينهما ، كما لو أن « العطاء للفقراء » كفيل وحده بأن يجعل الإنسان « كاملاً » . وفي حين أن البيع والعطاء هما تطبيق عملي لما جاء في لا ١٨:١٩ فهما ـ بصفة أساسية ـ التوأم الذي لا بد منه لاتباع يسوع كما يتبين من الآيات ٢٧ ـ ٢٩ وأن التلمذة وليس مجرد عمل الخير ، هي موضوع هذا الحوار .
فهل الفقر إذًا هو الشرط الرئيسي للتلمذة بالنسبة للجميع ؟ إن الآية ٢٦ تبين لنا أن الأغنياء يمكن أن ينالوا الخلاص ، ومن بين أتباع يسوع كان هناك البعض ممن كانوا أغنياء ، والواقع أن يسوع ورفقاءه المقربين اعتمدوا على أموال هؤلاء الأغنياء في معيشتهم ( انظر التعليق على مت ٨ : ١٤ ـ ١٥ بالنسبة لبيت بطرس وممتلكاته ) . ومتطلبات التلمذة تختلف باختلاف الأشخاص والظروف ، بيد أنها لن تكون بأي حال أقل من الامتثال الكامل لكل ما يطالب به يسوع مهما كان ذلك مختلفاً من ناحية تطبيقه عملياً . أما وإن يسوع لم يأمر كل أتباعه أن يبيعوا كل ما يمتلكونه فهذا لا يرجع إلا أولئك الذين كان يمكن أن يأمرهم بهذا ( جوندري « Gundry » ) .
٥ ـ الملكوت والغنى ( المال ) ( مت ١٩ : ٢٣ ـ ٣٠ )
الشاب الغني من القسم السابق يمثل مبدأ عاماً . فالثروة عكس ما هو متوقع وشائع عقبة في طريق « ملكوت السموات » حيث قلبت الأفكار الدنيوية عن
٣١٧
coptic-books.blogspot.com