انجيل متى - التفسير الحديث للكتاب المقدس
القسم: ٣- اصل انجيل متى
وظل دارسون عديدون يسألون أسئلة كهذه ، مما أدى إلى تقديم معالجات أخرى لهذه المشكلة . فقدم البعض نظرية بديلة للعلاقات بين الأناجيل ، وإن كانت أكثر تعقيدًا لكنها أكثر تحديدًا . فقالوا بوجود نسخ متتالية لكل إنجيل ، وإن نقاط الترابط تنتشر بين التقاليد ( المصادر ) المختلفة للإنجيل وذلك في محاولة لتعليل المتناقضات الكثيرة التي أهملتها نظرية المصدرين العادية .
وعلى النقيض من ذلك، يؤيد ريست Rist إستقلال إنجيلي متى ومرقس مرجحًا وجود أجزاء مشتركة بينهما إلى إستعمال مصادر شائعة ، كانت منتشرة بدرجة تفوق كل الاعتقادات السائدة ، وكانت هذه المصادر في غالبيتها شفاهية ومن الأرجح أنها كانت تضم تقاليد متطابقة لتعاليم وأحداث متماثلة لكنها غير مترابطة . وعلى هذا ، وبناء على ما يقوله ريست Rist فإن رفض الادعاء القائل بأن متى استخلص مادته من إنجيل مرقس لا يعني بالضرورة ، وكما اقترح كثيرون ، أن مرقس استخلص مادته من إنجيل متى . ولا يمكن القطع أيهما كتب أولاً . ثم إنه لا هذا ولا ذاك اعتمد على الآخر .
وثمة وضع وسط بين هذين النقيضين يبدو مقبولاً . فبناء على ما كتبه ساندرز E.P. Sanders ينظر روبنسون Robinson إلى أصل الأناجيل لا على ضوء اعتماد مباشر لأحدهما على الآخر ، ولا من ناحية الإستقلال الكامل لكل إنجيل ، بل على أساس تماثل تكوين مادة الأناجيل المختلفة ( والتي أدت في النهاية إلى الأناجيل الأربعة المعترف بها والمعروفة لدينا ) مع اتصال مستمر بينها في كل مراحلها . وعملية كتابة الإنجيل في مواقع الكنيسة المختلفة لم تكن تنجز في مناطق منعزلة . وبما أن الأناجيل غير المعترف بها ظهرت في كنائس مختلفة فإنها بلا شك كانت متاحة أمام الآخرين ، ولذلك فإنه في نفس الوقت الذي كتبت فيه الأناجيل المعروفة لنا برزت عملية تفاعل وتبادل جعلت من كل نظرية تقول بالاعتماد الكلي لأحد الأناجيل على إنجيل آخر أمرًا غير واقعي بالمرة . وعلى هذا الأساس ، كانت عملية تكوين الأناجيل عملية حية ومعقدة للغاية يصعب تقييدها بشكل ثابت مهما كان معقدًا . ومجرد الإفتراض أن متى إتخذ من إنجيل مرقس مصدرًا له ، لا يمكن أن يشكل الحقيقة كلها ( وليس بالتأكيد تخطيطًا منمقًا للمصدر Q وحده ) .
۲۸
coptic-books.blogspot.com