تفسير الإصحاح ٥ من إنجيل متى — ص ١٣١
القسم: ٥ — نماذج من تعاليم يسوع الأخلاقية
٣٩ — « لا تقاوموا » معناها أوسع من « لا تقابلوا العدوان بالعدوان »، فهي تتضمن العفو عن سوء المعاملة بطيب خاطر كما ستبينه الأمثلة التالية . والفعل anthistemi يستعمل أحيانًا بمعنى « اتخاذ الإجراء القانوني ضد » . ولذلك فالآيات لا تحث على المقاومة دون عنف وحسبها تفسر غالبًا ، بل تحث على عدم المقاومة على أي نحو كان ، حتى بالوسائل القانونية . ومقارنة صياغة ( مت ٥ : ٣٩ — ٤٠ بما جاء في لو ٦ : ٢٩ — ٣٠ ) توضح أن اهتمام متى كان مركزًا بصفة خاصة بموضوعات التقاضي وليس بالعنف ، ومت ٥ : ٤١ تهتم أيضًا بالحقوق القضائية . وكل الأمثلة تعالج موضوع تصرف الشخص تجاه الآخرين و«الشرير» تقدم نفس العبارة الغامضة كما في مت ٥ : ٣٧ ، إلا أن سياق الكلام هنا وما تلاه من عبارات ... بها ضمير المفرد الغائب ... وأحسنت ترجمة RSV ( إن أراد أحد ) إذ نظرت إلى الموضوع على أنه إثم من جانب أحد الأفراد وليس نابعًا من « الشر » . كمبدأ وليس ثمة مبرر معقول لتطبيق هذه التعاليم على الأخلاقيات الإجتماعية ، أو السياسية . والرغبة في عدم التمسك بالحقوق الشخصية والسماح بتقبل الإهانات والخضوع للآخرين لا تتعارض مع التشدد في الأمور المتعلقة بالمبادىء أو فيما يتعلق بحقوق الآخرين ( بالمقارنة مع موقف القديس بولس في أع ١٦ : ٣٧ ، ٢٢ : ٢٥ ، ٢٥ : ٨ — ١٢ ) .
والواقع أن مبدأ العقاب في حد ذاته لم يصل إلى حد الغائه من واقع ما سبق وذكر لصالح موقف يرفض الإصرار على الحقوق مهما كانت مشروعة .
وما كان هدف يسوع هو تعديل قوانين التقاضي ، بل كان يطلب موقفًا يكفل للإنسان حرية التصرف في الحقوق الشخصية . وما جاء في مت ٥ : ٣٩ ب — ٤٢ يوضح أمثلة لهذا الموقف ، ولا يشكل قواعد تطبق من الناحية القانونية . و « اللطم على الخد الأيمن » هو الضرب « بظهر اليد » وهو حتى يومنا هذا يعتبر في الشرق أشنع درجات الإهانة والتحقير . ومن يرتكب هذا كان يعاقب بغرامة مالية كبيرة جدا ( المشنا ) . والموقف هنا ينظر إليه على أنه إهانة وليس إيذاء بدنيًا ، ويمكن أن يعتبر كناحية من نواحي الاضطهاد الديني . ولقد استعمل نفس الفعل في مت ٢٦ : ٦٧ عند الإشارة إلى سوء معاملة المسيح « باعتباره مجدفًا » . والكلمات في هذه الآية تذكرنا بما جاء في إش ٥٠ : ٦ ،
۱۳۱
coptic-books.blogspot.com