تفسير الإصحاح ١٣ من إنجيل متى — ص ٢٤٨
القسم: ٤ ـ ثلاثة أمثال عن النمو : الزوان ، حبة الخردل ، الخميرة
وبناء على ذلك لا يجب أن نرفضها بحجة أنها غير منطقية . ولو لم يكن يسوع قد قصد أن تفهم القصة على هذا النحو ، فما هو الذي قصده بها ؛ وما من إجابة واضحة أخرى . حقاً ، إن الجزء الأخير من التفسير ( مت ١٣ : ٤٠ – ٤٣ ) يركز على التقسيم النهائي وليس على الدعوة إلى الصبر ، الأمر الذي يسود هذه القصة ، بل من الواضح أنه في توقع هذا التقسيم النهائي نجد أساس الدعوة إلى الصبر .
وعادة ما يفهم المثل على أنه يصور السمة المختلطة للكنيسة ، والتي نجد فيها المؤمنين الحقيقيين والمزيفين يعيشان معاً حتى يوم الدينونة الأخير . لكن هذا الموضوع لم يكن وارداً بعد في خدمة يسوع ، وفي الآية ٣٨ فسر الحقل بأنه « العالم » وليس الكنيسة . ولذا فالمجال هنا أوسع من الموضوع الخاص بتنظيمات الكنيسة . لقد أعلن يسوع ملكوت الله ، وهذا حمل الكثيرين من مستمعيه أن يتوقعوا تمزقاً مفاجئاً وعنيفاً للمجتمع ، وتقسيماً جوهرياً وفورياً بين أبناء النور ، وأبناء الظلمة ، وهذا ما رآه رجال قمران . ومع ذلك سارت الأمور كسابق عهدها . ومن هنا جاء المثل – بصفة أساسية – ليطلب عدم تعجل الأمور قبل أوانها . لا بد وأن ينجم عن الملكوت انقسام ، ولسوف يكون انقساماً حاسماً ، وعلى الرغم من أنه موجود من حيث المبدأ ، إلا أن اتمامه في صورته النهائية أمر سيجريه الله في الدينونة الأخيرة ، وليس للإنسان أن يتعجله بالتفرقة بين الناس . ولا شك أن هذا له تطبيقه العملي من ناحية التطلع إلى كنيسة نقية ، هنا في هذا العالم ، بيد أن المفهوم يتعدى حدود ذلك . وكما في المثلين التاليين ، فالأمر يتعلق بالتناقض بين حالة الملكوت الخفي حالياً ، وتحقيقه بشكل تام في المستقبل ، حينئذ يضيء « الأبرار » ( الذين قد لا نستطيع تمييزهم الآن عن « أبناء الشيطان » ) كالشمس ( آية ٤٣ ) .
وهذا الإتمام سيتحقق في الدينونة الأخيرة ، التي يركز عليها ( مت ١٣ : ٤٠ – ٤٣ ) . وهنا ينتقل التفسير من الاهتمام البسيط بالتفاصيل لكي يطور بشكل أوسع الذروة المختصرة للمثل ، وهكذا ، يبرز التقسيم الجوهري للناس إلى فئتين سبق ورأينا أنهما يشكلان أساساً للأصحاح كله ، وهذا هو المعنى الذي يتضمنه هذا المثل .
٢٤٨
coptic-books.blogspot.com