سراج الكلمة
‹الإصحاح ٢ · ديريك كدنر
⇄ قارن تفسيرين
سفر التكوين - التفسير الحديث للكتاب المقدس · الإصحاح ٢ · صفحة ٥٩

تفسير الإصحاح ٢ من سفر التكوين — ص ٥٩

القسم: أيام الخليقة

تفسير سفر التكوين - العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس دار الثقافة


الخطوات التي لها دلالة علمية ، فإن التقرير الحالي يستطلع ذات المشهد من أجل أهميته اللاهوتية ــ فمن وجهة النظر هذه يتحدث عن أيام لا دهور ويجمعها في أسبوع . وتتضح أهمية الأسبوع في تقديس السبت ( ٢ : ٣ قارن مز ٢٠ : ١١ ، ٣١ : ١٧ ) الذي يجعل الإيقاع الصحيح لعمل الإنسان وراحته مذكرا له ومثالا مصغرا لإيقاع عمل وراحة الخالق . وربما لم يقصد بتقسيم الفترة إلى أيام أن تعنى أكثر من هذا . ومع ذلك فليست الأيام جوهرية بالنسبة للسبت ، إذ أن هذا يمكن أن يعبر عنه في وحدات من الحديث أطول ( لا ٢٥ : ٤ و ٨ ) فإن سببا آخر مستقلا يقدم نفسه لتفسير العبارة . وهو ببساطة مقدار طول اليوم .

هذا يثير في الحال لدى القارىء العصرى مسألة الدقة العلمية . وقد يباحث أحدهم بأن « اليوم » يمكن أن يحمل معنى « حقبة من الزمان » ( قارن مثلا مز ٩٠ : ٤ ، إش ٤ : ٢ ) ، أو أن أيام الله ليس لها مثيل عند البشر ( مثلما رأى أوغسطينوس أو أوريجانوس من قبله ) . ويفضل آخرون أن يعتبروا الأيام حرفيا ، ويجدون فيها دليلا على عدم عصمة البشر : فيرونها قشوراً من عدة أخطاء تخفى حبات اللاهوت الطيبة فى الأصحاح . والفرض الذي تشترك فيه هذه التفاسير هو أن الله لا يريدنا أن نتصور أن الخليقة قد ضغطت في مجرد أسبوع . ولكن ربما يكون هذا هو بالضبط ما يريده الله منا . وقد ثبتت قصة الخليقة كالحصن المنيع ضد سلسلة من الأخطاء الحديثة مثل تعدد الآلهة ، الثنائية ، أزلية المادة ، شر المادة ، التنجيم ــ وستثبت بالأولى ضد كل ميل لإجهاض التاريخ البشرى من معناه . إنها تقاوم العدمية مقاومة صريحة بإظهارها الإنسان على صورة الله وبأنه نائبه ؛ ولكنها تقاومها مقاومة ضمنية ــ بتقديم أعمال الخليقة العظيمة ــ كمجرد رفع الستار عن دراما تتفتح ببطء بطول الكتاب المقدس . تنتهى المقدمة فى صفحة لكن هناك ألف بعدها .

وإذا كان كل جيل يحتاج إلى هذا التوكيد ، فربما أعظم الكل احتياجا إليه هو عصر المعرفة العلمية . إن الرواية العلمية للكون بقدر ما هي واقعية وحتمية تغمرنا بإحصائيات تتقلص معها أهميتنا الظاهرية إلى نقطة التلاشي . قد صارت الآن قصة البشر ذاتها وليس المقدمة ، هى الصفحة الواحدة من الألف وكل المجلد الدنيوى مفقود بين الملايين غير المصنفة . وفى مواجهة هذه الضخامة لا يجوز أن نتجرأ لنركز على زماننا ومكاننا ، ولا ملاذ لنا إلا الكلمة الإلهية

٥٩