سراج الكلمة
‹صفحة ٢٥ · ديريك كدنر
سفر التكوين - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٢٥

٣- البداءات البشرية

تفسير سفر التكوين - العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس دار الثقافة


٣ — البداءات البشرية

بصفة عامة يواجه المسيحى المعاصر مخططين عن بداءة عمر الانسان. فيرسم سفر التكوين فى خطوط قليلة، مخلوقاً مهيئاً من مادة أرضية — فيه نسمة الله ، وعلى صورة الله ، يتجه تاريخه الروحى من البراءة إلى العصيان ، ويواصل المسيرة إلى التدنّى الأخلاقيّ الذَّى لا تستطيع بداءة الحضارة أن توقفه.

والصورة الثانية ، هى صورة تتكون من جزئيات كثيرة ، تصور جنساً تشكل على مدى ربما مليون سنة أو أكثر فى شكله البشرى الحالى ، يظهر الخواص الخارجية الخاصة بالإنسان الحديث ، وله خبرة تزيد عن عشرين الف سنة مضت ؛ ليس فقط بالنسبة لكيانه الجسمي ، ولكن بالنسبة لممارساته فى صنع الأدوات ، واستعمال النار ، ودفن موتاه ، بل وإبداع فنّى متميز لكل فترة زمنية . وحتى فى ذلك الزمن السحيق فإن المبدعين من جنسنا يبدو أنهم كانوا أناسا متميزين ، ثم انتشرت الأنواع فملأت العالم ؛ وقد أزاحت نوعاً آخر من الكائنات البشرية : « الانسان النياندرثالى » الذَّى يتضح من آثاره بغض النظر عن خشوتها ، أن الإنسان استعمل النار ومارس دفن الموتّى منذ زمن بعيد .. ومن الوجهة الأخرى فإن أول الدلائل المعروفة عن عمل الرعى والزراعة ، ثم بعد ذلك التعدين ( مثلا طرق النحاس ، والحديد الشهبى ) [ قارن ٤ : ١٩ — ٢٤ وتفسيرها ] — وهو أحدث كثيرا ظهرت فى الشرق الأدنىّ — وبحسب الأدلة المتوفرة حالياً — بين الألف الثامنة والخامسة قبل الميلاد وليس قبل ذلك .

أما إلى أى حد تتوافق الصورة الكتابية مع الصورة العلمية ، فهذا غير واضح بصورة مباشرة ، ويجب فى الوقت الحاضر أن نذعن لطبيعتى التفسير التقليدى للأسفار الكتابية ، والتقديرات العلمية ( دون أن نجعل هذا مهرب من الآراء غير المرحب بها ) . كذلك يجب على المرء أن يعتبر أن المدخلين مختلفان غرضا وأسلوبا ، فأحدهما يسبر العالم المرئى ، بينما الآخر يعلن بصفة خاصة غير المرئى ، علاقة الله بالإنسان . وأسلوب أولهما هو رواية حقائق جافة ، أما الثانى فيحتاج إلى كل مجال المواهب الأدبية لكىّ توفيه حقه . ولهذا فمن المهم أن لا نتحيز لطريقة أو اتجاه هذه الأصحاحات .

على أن أسفارا أخرى تقدم بعض النقاط الثابتة التى تعين المفسر . مثلا

٢٥