تفسير الإصحاح ٢ من سفر التكوين — ص ٦٤
القسم: أيام الخليقة
تفسير سفر التكوين - العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس دار الثقافة
ومن أجل يقظته الروحية ، حيث أنه خلق على صورة الله، أعطى كلمة إلهية ، ذات حدين ، ليحيا بموجبها . « تأكل .. لا تأكل » ( ع ١٦ و ١٧ ) الحيوانات قانعة بعبوديتها للبيئة ، حيث أنها لا تتمتع بذات الملكات أو تتلقى ذات الأوامر ، وسلوكها نتاج دوافع موروثة ودوافع مفروضة . أما الإنسان فهو مدعو لسلوك معين يتمسك به ، وقد أعطى الحرية لأن يتمشى مع ما يفرض عليه أو يرفضه . وقد زود الله آدم بنور مرشد له افضل من مجرد التدبر أو حتى المبدأ الأدبى ــ وذلك فى إعطائه كلمة تقوده ، فالدافع لموافقته أو رفضه هو الحب أى حب الابن المخلص وليس كبرياء الاستقلال . فإن كان النهى عن الأكل مكلفا بالنسبة لآدم لكن ما جاء فى عب ٥ : ٨ و ٩ يوضح أن النمو إلى الكمال يتطلبه .
وتوجد إشارة إلى التطور « الحضارى » الذى قصد للإنسان عندما تنتقل تفاصيل القصة لحظيا ( ١٠ ــ ١٤ ) لتصف المنظر خارج جنة عدن وتفتح أمامنا مجازاً ضيقاً لعالم متعدد الأقطار والموارد . وعند تتبع القصة ــ بغض النظر عن تفاصيل موقع جنة عدن ــ يتضح وجود أشياء أكثر تعقيدا من الحياة البسيطة الأولى مدخرة للجنس البشرى : تعقيدات فى التوزيع غير المتساوى للمهارات والبشر ، حتى لو أدرك القارىء اللهجة الساخرة فى المضمون المأساوى للكلمات « ذهب » ، « أشور » ، « الفرات » .
وأخيراً يتوج الأصحاح برؤية الإنسان ككائن اجتماعى ( ١٨ ــ ٢٥ ) كما سيلى فى شرح هذه الأعداد .
عدد ٨ : يتضح جليا من العبارة « جنة فى عدن شرقا » أن عدن موضع وليست مجرد رمز ، ومع أن ذات الكلمة العبرية ( عدن ) تعنى الابتهاج لكن يبدو أن هذا الاسم يرجع إلى الكلمة السومرية Edin (na) بمعنى سهل أو مدرج . وتظهر الأعداد من ١٠ ــ ١٤ إلى حد ما أنها بقعة حقيقية وليست رمزية أو أسطورية(١) . أما الجنة ــ وفى السبعينية Paradeisos (Park-Land) ــ
(١) قارن هذا بما جاء فى حز ٢٨ : ١١ ــ ١٩ الذى يقدم لنا عدن سماوية مبهرة للعيون ذكرت عند هجو ملك صور . وهى على منوال عدن الأرضية الواردة فى تك ١ ، ٢ لكن فى صورة رفيعة رسمت قصدا إما لكى تتناسب مع ادعاءات الملك أو كما يورده التقليد ترنما بسقوط الشيطان فى تعبيرات تشبه ما قيل عن سقوط الإنسان .
٦٤