تفسير الإصحاح ٤ من سفر التكوين — ص ٨٨
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
تائها وهاربا تكون في الأرض.
كان سؤال الله لآدم (أين أنت) وسؤاله هنا لقايين (أين هابيل أخوك) والله كما يسأل الإنسان عن نفسه يسأله عن أخيه أيضاً، وكان جواب قايين مملوءا بعدم الإيمان وبالوقاحة حيث قال (لا أعلم. أحارس أنا لأخى) ظنا منه أن الله لايعلم ماذا فعل بأخيه، وكان موقفه كموقف آدم الذي أختبأ وراء الشجر ظنا منه أن الله لايراه.
وكان جواب الله على وقاحة قايين يتضمن :
◎ أولا : سؤالا: (ماذا فعلت) وهو سؤال توبيخ واستنكار يوجهه الله إلى كل إنسان خاطئ.
◎ ثانياً: تقريرا: (صوت دم أخيك صارخ إلى من الأرض) إن هذا تعبير مجازى يوضح به الله أن لسان حال أخيه المقتول يصرخ متظلما وكأن الدم المسفوك ظلما يطلب عقابا وانتقاما من القاتل الأثيم.
يقارن الرسول بولس بين صوت دم هابيل وبين صوت دم المسيح الذي سفك على الصليب فيقول (وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل)(عب ١٢: ٢٤)، ذلك لأن صوت دم هابيل كان يطلب الانتقام من قايين بينما المسيح له المجد طلب المغفرة لأجل صالبيه (لو ۲۳: ٣٤)، ولايزال دم المسيح الذى رشت به قلوب المؤمنين يعمل للتطهير والغفران والصفح لأن (دم يسوع المسيح إبنه يطهرنا من كل خطية)(١ يو ١: ٧).
صوت دم أخيك صارخ إلىّ: ألا يذكرنا هذا بصوت نفوس الشهداء التي تحت المذبح حينما شكت إلى الله المظالم التي لايزال البشر يجرونها مع أولاد الله ومع كنيسته بقولها (حتى متى أيها السيد القدوس والحق لاتقضى وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض)(رؤ ٦: ١٠). وألا يذكرنا هذا بأن الدماء التى تراق ظلما. والمظالم التي يجريها الأقوياء ضد الضعفاء، ودموع الأرامل والأيتام التي تسفك أمام الأغنياء القساة، وأجور الفعلة المبخوسة من أرباب الأعمال، ومظاهر القسوة والاستبداد والاستعباد... كل هذه أصوات تصرخ إلى الله لينتقم من القوى الغاشم، وينصف المظلوم من الظالم؟. وألا يذكرنا بالحرى بأن لنا أخا حبيبا هو الرب يسوع الذي سفك دمه كفارة عن الجميع، ولايزال دمه يصرخ ضد الذين يهينون كرامته.
◎ ثالثا: عقابا: أعلن الله لقايين أن الأرض التي قتل عليها أخاه هابيل تعلن حنقها وغضبها عليه بالوجوه الآتية وهى:
(أ) أنها تلعنه (ملعون أنت من الأرض) بمعنى مقتها ورذلها له واستنكارها لفعلته الشنيعة، لعنت الأرض بسبب معصية آدم، وهنا نرى قايين نفسه يُلعن من الأرض التى لوثها بدم أخيه البرئ.
(ب) أنها ستضن عليه بقوتها (متى عملت لاتعود تعطيك قوتها) أى أنه يعمل فيها كثيرا ولكنها لاتعطيه إلا المحاصيل القليلة، والأشرار محرومون ليس فقط من الخيرات الروحية بل أيضا من البركة فى الأشياء الزمنية و"القليل الذى للصديق خير من ثروة أشرار كثيرين"(مز ۳۷: ۱٦).
(جـ) أنه يصبح (تائها وهاربا) على الأرض نتيجة لمخاوفه وأوهامه وتعذيب ضميره