تفسير الإصحاح ٢٢ من سفر التكوين — ص ١٩٠
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
الأصحاح الثاني والعشرون
إمتحان الله لإبراهيم (ع١-٢)
١ . وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن ابراهيم. وقال له يا ابراهيم فقال هأنذا.
إن حادث تقديم اسحق ذبيحة هو أروع حادث فى تاريخ ابراهيم "تجلت فيه قوة إيمانه ومحبته وطاعته"، والله (يمتحن) عبيده لا لأنه لايعرفهم، لأنه العالم بكل شئ، وإنما لكى يظهر إيمانهم وفضائلهم للأجيال، كما أنه لايمتحنهم ليجرهم إلى عمل الشر كما يفعل الشيطان عندما يجرب البشر، لأن الله غير مجرب بالشرور (يع١: ١٣)، وإنما الله يمتحن عبيده ليظهر مافيهم من الخير، فيتمجد فيهم ويكونوا مثلا صالحا للعالم.
٢ .فقال خذ ابنك وحيدك الذى تحبه اسحق واذهب إلى أرض المريا واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذى أقول لك.
كم كان هذا الامتحان صعبا لأن الله لم يطلب من ابراهيم أمواله أو مواشيه أو شيئا نظير ذلك، وإنما طلب ابنه وحيده، إبن شيخوخته، الذى بنى عليه كل رجائه، وقد دعى (وحيده) لأنه ابن الموعد من جهة، ولأنه كان قد صرف اسمعيل من جهة أخرى. وكان الامتحان صعبا لأن الله طلب من الأب الحنون أن يقوم بذبح ابنه بيده، وأن يحرقه بالنيران على المذبح.
كانت بعض الشعوب الوثنية فى فلسطين وفى غيرها تقدم الأبناء، ولاسيما الأبكار ذبائح للآلهة، وبالرغم من أن الله يمقت هذه الذبائح البشرية ولا يصرح بها إلا أنه امتحن عبده ابراهيم بهذا، وفى قصده الإلهى أن يكفه عنه بعد أن يتجلى إيمانه ومحبته، لكى يكون الوالد مثالا قويا فى الإيمان والتضحية ويكون اسحق رمزا للمسح المبارك الذى يأتى من نسله، ويقدم ذاته ذبيحة لأجل خلاص البشر.
(أرض المريا) قد تكون من (مورة) أى معلم ويكون معناها حينئذ (الرب معلم) وقد يكون معناها (الرب يرى أو يهئ).
ولذلك جاءت فى بعض الترجمات باسم (أرض الرؤيا) وهناك آراء بشأن موقعها أهمها رأيان: (١) أنها كانت البقعة التى تحيط بجبل المريا الذى كان عليه بيدر أرنون اليبوسى حيث بنى داود مذبحا للرب، ثم أقام عليه سليمان الهيكل فيما بعد (٢صم٢٤: ٢٤، ٢أى٣: ١) والموضع شرقى أورشليم.
(٢) أنها كانت منطقة جبل جرزيم، الذى يبعد شمالى أورشليم بعدة أميال وأن ابراهيم قدم ابنه على قمة الجبل، والرأى الأول أرجح، ومن الملاحظ أن الموضع على مسافة نحو مسيرة ثلاثة أيام من بئر سبع حيث كان ابراهيم مقيما وقتئذ. ويرى معظم المفسرين أن الجلجثة حيث