تفسير الإصحاح ٣ من سفر التكوين — ص ٨١
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
وتقديم الله الأقمصة لآدم دليل على حبه ورحمته ووفرة إحسانه على جنس البشر رغم خطاياهم ومخالفتهم لله, لم تكن أوراق التين كافية لستر عورة آدم وحواء ولم تكن صالحة كثياب، وهذا يشير إلى أن مجهودات الإنسان لاتنفع بدون مؤازرة الله له، وأن بره الذاتي الذى قد يتكل عليه لا يفيد بدون نعمة الله، وكانت أقمصة الجلد تشير إلى النعمة الغنية والى ثوب البر الذى لنا فى المسيح والذى يستر عيوبنا ويمحوها اذا قبلناه ربا وفاديا وعملنا ما يرضيه.
طرد آدم وحواء من الجنة (ع٢٢- ٢٤)
۲۲ . وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر. والآن يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد. ۲۳ . فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التى أخذ منها . ٢٤ . فطرد الإنسان وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة.
هذا تقرير عما صار اليه آدم بعد السقوط، فقبل أن يعصى الله كان لايعرف إلا طريق الخير الذى كان سالكا فيه، ولكنه بالمعصية وما جرته عليه من وبال، عرف بالاختبار الفرق بين الخير وجماله وبين الشر وعواقبه الوخيمة، فلم تكن معرفته لتشرفه أو تسعده كما وعدته الحية بل لتنغص عليه عيشته وتحرمه من السلام.
وقوله (هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر) فيه اشارة جديدة إلى الثالوث المقدس الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. والتشبيه في المعرفة تشبيه نسبى لأن معرفة كل أقنوم من الأقانيم الإلهية معرفة ذاتيه كاملة غير محدودة، أما معرفة الإنسان فهى معرفة مكتسبة جزئية ناقصة. ويمكننا أيضا أن نلحظ فى القول الإلهي (قد صار كواحد منا) أسلوب تهكمى يعبر عما وصل إليه الإنسان من المعرفة والخبرة المشئومتين.
(والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد) (لعله) تترجم أيضا (لئلا)، لأن آدم قد تجرا على الأكل من شجرة المعرفة، فلم يكن مستعدا لأن يتجرأ من جديد ويأكل من شجرة الحياة، والإنسان اذا ما سقط في المعصية لأول مرة سهل عليه أن يسقط فيها مرات أخرى. وأراد الله أن يمنع الإنسان عن الأكل من شجرة الحياة لأنه تعالى لم يرد أن ينال الإنسان الخلود بهذه الوسيلة السهلة بعد أن عصى، لأنه لابد أن ينفذ فيه حكم الموت الذى أنذره به الله، والذى يطالب به العدل الإلهى، لأن رحمه الله فى نفس الوقت قد دبرت طريقة أخرى عادلة بها ينال الإنسان الحياة الأبدية، وهي موت ابن الله الكلمة نيابة عن البشر، والفداء العجيب الذي صنعه بموته.
(فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التى أخذ منها، فطرد الإنسان وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة).
فطرد الإنسان من الجنة، وكان عليه أن يفلح الأرض لتخرج له المحاصيل التي يقتأت بها