تفسير الإصحاح ٣ من سفر التكوين — ص ٧٨
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
وبين نسلك ونسلها: شملت العداوة كما ذكرنا العداوة بين الإنسان والحيات الطبيعية، والعداوة بينه وبين الشيطان. ويكون المقصود بنسل الشيطان حينئذ أجناده وأعوانه في كل العصور. أما (نسل المرأة) الذي يسحق رأس الحية فهو الرب يسوع المسيح الذي داس الشيطان وقهره وأذله، فقد انتصر عليه في التجارب التي جربه بها (مت٤)، وفي الفخاخ التي نصبها له عن طريق اليهود، وأخيراً كسر شوكته وسحقه بموته على الصليب حيث خلص البشرية بدمه وأخذ الأسرى من يد الشيطان عدوهم. ولقد قال المخلص (لأن رئيس هذا العالم يأتى وليس له فى شئ) (يو١٤: ٣٠)، وعندما رجع الرسل فرحين بأن الشيطان يخضع لهم باسمه قال لهم الرب (رأيت الشيطان ساقطا مثل البرق من السماء)، ثم أعقب هذا بقوله (ها أنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ)(لو ۱۰: ۱۷-۲۰) دليلا على أن المقصود بالحيات والعقارب هو إبليس وجنوده.
وقد رجع القديس لوقا بسلسلة نسب السيد المسيح إلى آدم (لو۳: ۲۳-۳۸) ليبين أنه المخلص الذى وعد به آدم وحواء ليسحق رأس الحية. كما قال الرسول عن ولادته من إمرأة (لما جاء ملء الزمان أرسل الله إبنه مولودا من إمرأة مولودا تحت الناموس)(غل ٤: ٤).
وقوله (من إمرأة) ترديد لقول الله لحواء (بين نسلك ونسلها) أى النسل الذى يأتى من امرأة بدون رجل لأن المسيح ولد من عذراء.
ولقد فهم المؤمنون فى العهد القديم هذا المعنى الذى يقصده الوحى فمات الآباء على رجاء مجئ المسيح الذى يسحق رأس الحية، وتنبأ الأنبياء عنه، وحتى الشعوب البعيدة كانت تنتظره، فقالت المرأة السامرية للمسيح "أنا أعلم أن مسيا الذى يقال له المسيح يأتى، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ" (لو٤: ٢٥) بل لقد كشفت الآثار عن انتقال هذه العقيدة من شعب إلى شعب، فقد وجد فى آثار إدفو فى مصر العليا صورة للإله هار يسحق رأس الحية آباب التى وقع بينها وبين الإله رع خصام.
وثبت العهد الجديد هذه الحقيقة المقدسة مبينا أن المسيح هو ساحق رأس الشيطان. فقد أعطى له المجد – لتلاميذه السلطان على الأرواح النجسة ليخرجوها (مت۱۰: ۱) وأعطاهم كما مر بنا السلطان ليدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو.
يقصد بذلك أولا المعجزات التى داسوا بها على قوى العالم المادى وتغلبوا على الأعداء والاضطهادات وانتصروا حتى على الحيات والعقارب الطبيعية، كما يقصد بها أيضاً السلطان الذى داسوا به على الشيطان وقواته. وكون المسيح أعطاهم السلطان على الشيطان يبرهن على انه ساحق الشيطان وصاحب السلطان عليه. ومن ثم يقول الرسول (فإذ تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس) (عب٢: ١٤).
والرب إذ سحق إبليس أعطى المؤمنين باسمه فى كل زمان ومكان أن يسحقوه أيضا ويقاوموه راسخين فى الايمان. والكنيسة المقدسة تذكر هذا العمل المجيد الذى عمله الله مع أبنائه وتردد كل حين فى صلاة الشكر (.... لأنك أنت الذى أعطيتنا السلطان أن ندوس