تفسير الإصحاح ٢ من سفر التكوين — ص ٦٧
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
ونفخ فى أنفه نسمة حياة فصار آدم نفسا حية: (نفخ) تعبير مجازى يشير إلى أن الله أودع فى الإنسان خاصية الحياة.
وهذا برهان على أن حياة الإنسان لم تصدر من المادة الميتة كما يدعى الماديون وانما الحياة نسمة من الله، كما أنها برهان على أن الإنسان خلق ولم يتسلسل من حيوان أدنى منه كما يدعى أصحاب نظرية التحول.
ويجب أن نذكر أن هناك فرقا بين حياة الحيوانات الغريزية وبين حياة الانسان، فنفس الحيوان تموت بموته ومن ثم يتلاشى، ولكن الإنسان إذ أعطاه الله خاصية الحياة الحيوانية أعطاه أيضا الروح الناطقة العاقلة الخالدة التى خلقت على صورته ومثاله.
ومعلوم أن آدم خلق إنسان كاملا بالغ الرجولة فى الجسم والعقل.
جنة عــــدن (ع٨-١٤)
٨. وغرس الرب الإله جنة عدن شرقا. ووضع هناك آدم الذى جبله. ٩. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل وشجرة الحياة فى وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر. ١٠. وكان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. ١١. اسم الواحد فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب. ١٢. وذهب تلك الأرض جيد. هناك المقل وحجر الجزع. ١٣. واسم النهر الثانى جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش. ١٤. واسم النهر الثالث حداقل وهو الجارى شرقى أشور. والنهر الرابع الفرات.
الحديث هنا عن عناية الله بالإنسان إذ أعد له مسكنا من أسعد المساكن وهو جنة عدن. وقوله (غرس الرب الإله جنة) أى خلقها وأعدها و(الجنة) بستان أو حديقة كبيرة وتترجم أيضا (فردوسا) أو (فردوس النعيم) لأنها أعدت لينعم فيها آدم بالسعادة و (الفردوس) فى الأصل كلمة فارسية معناها حديقة.
فى عدن شرقا: معنى (عدن) بهجة وهى غير عدن الموجودة فى بلاد اليمن وتعتبر (شرقا) أى بالنسبة لبرية سيناء حيث كتب موسى سفر التكوين، وكذلك بالنسبة لأرض كنعان.
ومن الترتيبات الكنسية الروحية الجميلة إلى اليوم اتجاه المؤمنين فى عبادتهم نحو الشرق، ليس لأن الله غير موجود إلا فى الشرق فقط، لأن الله موجود فى كل مكان، وإنما لأن جهة الشرق ترسم أمام المؤمنين صورا تعليمية مجيدة، من بينها جنة عدن التى يتذكر بها المؤمنون إنعامات الله الوفيرة على جنس البشر منذ البدء، ويستنكرون الخطية التى وقع فيها أبوينا وكانت سبب حرمانهما من الجنة ووقوعهما تحت طائلة العقاب، ثم يفرحون بالرجاء الحلو الذى يجعلهم ينتظرون السماء التى أعدت لهم عوض جنة عدن المفقودة، ويشكرون الله لأجل عمل المسيح الفدائى الذى به أعد لهم الميراث الذى لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل المحفوظ فى السموات لأجلهم (١بط١: ٤).