تفسير الإصحاح ١ من سفر التكوين — ص ٤٧
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
خلق الله الإنسان بعد أن أعد له كل وسائل الحياة والسعادة، ويقول أحد المفسرين أن الإنسان خلق آخر المخلوقات لحكمتين (الأولى) لكى لايظن نفسه أزليا أو موجودا مع الله منذ البدء ليشترك معه فى أعمال الخلق (الثانية) لكى يتوج الله به الخليقة التى على الأرض ويوضح له أنه أرقاها وأكملها. وفى هذه الآيات نرى المسائل الآتية:
◎ أولا: خلق الإنسان بمشورة خاصة. لم يخلق الإنسان كباقى المخلوقات بمجرد الأمر الإلهى كقوله تعالى مثلا (ليكن نور) أو (ليكن جلد)... وانما قال الله عند خلقته (نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا) وهذا دليل على أهمية مركز الإنسان عند الله، وأن الإنسان كان محور الخليقة جميعها، وأن (لذات الله مع بنى آدم)(أم ۸: ۳۱).
وفى قول الكتاب (نعمل إنسانا..) برهان على سر التثليث المقدس، والمشورة والتدبير كانا بين الأقانيم الإلهية، ويطبق أحد الآباء هذه الحقيقة على صفة أقنوم الابن كمشير بين الأقانيم الإلهية فى قول أشعياء (... ويدعى إسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام) (اش ٩: ٦)، والمشورة بين الأقانيم معناها اتحاد القصد الإلهى وتنفيذه.
ولا مجال لقول بعضهم أن القول (نعمل) صيغة تعظيم، لأن صيغة التعظيم لم تكن معروفة فى اللغة العبرية، فالله يتكلم عن نفسه إلى نوح بصيغة المفرد بقوله (إياك رأيت بارا لدى) (تك ٧: ١) و (بذاتى أقسمت يقول الرب ۲۲: ١٦) ويقول فى الوصية الأولى على يد موسى (أنا الرب الهك... خر ۲۰: ۲) ويوسف يتحدث إلى فرعون بصيغة المفرد (تك ٤١: ١٦) وكذلك دانيال إلى نبوخذ نصر (دا ٤: ۲۲) والى بيلشاصر (٥: ١٧) إلى غير هذه الأمثلة.
◎ ثانيا : الصورة الخاصة : (على صورتنا كشبهنا)، ليس على الصورة الجسدية لأن الله روح، وانما على صورته تعالى من الناحيتين الروحية والأدبية، ومن مظاهر هذه الصورة:
١- القداسة والبر : حتى أن الرسول يقول (... وتتجدوا بروح ذهنكم وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق) (أف ٤: ۲۳).
٢- المعرفة : والله إذ أوجد الإنسان أعطاه معرفة وفهما وعلما وتمييزا، والانسان يتميز عن جميع الخلائق الحية بالعقل الذى أودعه أياه، ونرى الله فيما بعد يعرض جميع الحيوانات والطيور على آدم ليعطيها أسماء بنعمة العقل التى وهبت له (تك ۲: ۱۹).
٣- حرية الإرادة : لكى يستطيع أن يختار الخير أو الشر. وقد امتحن الله أبانا الأول بنهيه عن الاكل من شجرة معرفه الخير والشر بناء على الحرية التى جعلها من صفات الطبيعة البشرية.
٤- السلطان: حيث قال له (فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التى تدب على الأرض، ويتضمن هذا السلطان ناحيتين:
(أ) سلطان الإنسان على (الأرض) أى على قوى الطبيعة والقوانين التى سنها الله