تفسير الإصحاح ١ من سفر التكوين — ص ٤٢
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
كلمة الله، يتبدد الظلام، ويحل النور، وتغمر حياتنا بالسلام والصلاح والخصب والثمر الصالح، وحينئذ يصبح كل إنسان خاضع لنعمة الله (إنسانا جديدا) (أف ٢: ١٥).
٢- قال الله (ليكن نور) فكان نور، وهكذا الحال فى خلق جميع المخلوقات. فالعدم كان يخضع لأمر الله ويطيع كلمته، ويصبح شيئاً موجودا، فبالأولى كم يليق بالبشر الأحياء أن يستمعوا لكلمة الله ويطيعوا وصاياه وينفذوا مشيئته.
٣- يرى بعض الآباء أن الماء الذى كان يغمر الأرض، كان يمثل المعمودية، وكما كان روح الله يرف على المياه ويخلق ويجدد، فإن الروح نفسه يعمل فى المعمودية للخلاص والتجديد والولادة من فوق، وكما ظهر النور فوق الغمر وفصل الله بين النور والظلام، هكذا نعمة الله تعمل فى المؤمنين الذين ينالون سر المعمودية فتنقلهم إلى حياة النور، كما أنها - في نفس الوقت - علامة لتمييز أبناء النور من أبناء الظلام، ولقد قال الرب فى سر العماد (إن كان أحد لايولد من الماء والروح لايقدر أن يدخل ملكوت الله يو٣: ٥).
خلق الجلد (ع٦-٨)
٦. وقال الله ليكن الجلد فى وسط المياه. وليكن فاصلا بين مياه ومياه. ٧. فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التى تحت الجلد والمياه التى فوق الجلد. وكان كذلك. ٨. ودعا الله الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح يوما ثانيا.
الجلد: فى العبرية (رفيع)، ومعناه شئ مطروق وممتد ويقصد به غطاء، أو خيمة. (والرفيع) فى العربية سماء الدنيا كما أنه يطلق اصطلاحا على أى سماء من السموات. والقصد (بالجلد) هنا الفضاء المحيط بالأرض الذى يشتمل على الهواء. ولقد هيأ الله الجلد كمنطقة هوائية تمهيدا لخلق الكائنات الحية من النباتات والحيوانات والانسان للزوم الهواء لحياتها، كما أنه لازم أيضا لتنظيم سير الرياح والتيارات البحرية والطقس والضغط الجوى والأمطار وغير ذلك، والطبقات العليا من الجلد هى ماتظهر لنا بلون أزرق جميل وتبدو كأنها تتلاقى مع الأرض فيما نسميه الأفق.
وقوله (فى وسط المياه) أو (متوسطا بين المياه التى كانت تغمر الأرض والتى ملأت البحار والأنهار والمجارى المختلفة فيما بعد، والمياه التى تحت الجلد والمياه التى فوق الجلد) يرى المؤمن منتهى الدقة والحكمة حيث قدم المياه التى تحت الجلد على المياه التى فوقه، ذلك لأن الأولى هى الأصل والثانية أصلها بخار تصاعد من الأولى.!
ويقول القديس باسيليوس، ويوافق على رأية القديس أغسطينوس أن كل ماكان من الأجسام كثيفا شديدا يسمى جلدا، ويعلل تسمية الجلد هكذا بالنسبة لوجود الهواء فيه لأن الهواء جسم له صلابة "أى كثافة وشدة"، ولذلك يحمل السحاب فوقه.
وتعليقا على هذا الرأى العجيب نقول أن الجلد باللاتينية Firmamentum وتعنى دعامة أو أساس ثابت، كما أنه بالأنجليزية Firmament ويغلب أن الكلمتين من الأصل Firm أى ثابت أو متين بالنسبة لكثافة الهواء.