تفسير الإصحاح ١ من سفر التكوين — ص ٤٠
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
خلق الكائنات منذ البدء، ثم فى عمله المستمر فى الكون، فى حفظه وضبطه ورعايته وتسييره. ويقول الكتاب فى عمل روح الرب (ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض مز ١٠٤ : ٣٠) ويشبه أحد المفسرين عمل الروح إذ (يرف على وجه المياه) بالصانع الذى (ترف إرادته على المادة قبل إلباسها صورة) ويرى البعض أن هذا النص قد يدل أيضا على خلق الكائنات الحية الدنيئة كالأميبا والبكتريا فوق سطح المياه، ولم يفصل الوحى هذه العملية لعدم إمكان عقول البشر إدراكها فى الأزمنة القديمة التى لم تكن الأحياء المجهرية قد عرفت فيها بعد.
خلق النور (ع٣ - ٥)
٣. وقال الله ليكن نور فكان نور. ٤. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ٥. ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا.
وقال الله ليكن: ليس من الضرورى أن يكون الله قد تكلم، وانما معناه أن مشيئة الله قد سرت بأن يفعل شيئا ما، وأن كل شئ قد عمل بأمره وقدرته.
والنور: الذى وجد فى اليوم الأول إما أن يكون قد تكون:
( أ ) عن طريق تجاذب العناصر وانضغاطها أو عن تحرك الكهارب الموجودة فى كل ذرة من ذرات العناصر.
(ب) وإما عن سقوط النور من الكتلة السديمية الأم التى يقول العلماء أن الشمس تكونت منها فيما بعد، أو من كتل سديمية غيرها بعد انقشاع الأبخرة المحيطة بالأرض.
(ج) وإما بأى عامل من العوامل الطبيعية أو الكيماوية الأخرى التى أعدها الله، والعلم يوافق على كل هذا، فهناك النور الذى ينشأ مستقلا عن نور الشمس عن طريق الكهارب أو الأثير أو عن طريق عوامل أخرى، كما أن نظرية السديم ونظريات أخرى تقول أن الضباب والأبخرة المحيطة بالأرض أخذت تنقشع شيئا فشيئا وبذا سقطت أنوار السديم على الأجزاء المواجهة لها من الأرض. ومن العجيب أن الآباء لم يخف عليهم هذا الرأى العلمى الحديث، فإن القديس ديونيسيوس قال أن النور الذى ظهر فى الثلاثة أيام الأولى كان نفس نور الشمس غير أنه كان عاريا من الصورة ثم تصور فى اليوم الرابع، وهذا هو نفس مايقوله العلماء من أن الكتلة السديمية المضيئة الأم كانت مشوشة الصورة ثم انتظمت فيما بعد وصارت الشمس التى تشرق علينا.
وهناك عاملان عامان لوصول النور (أولهما) عدم وجود حاجز فى طريق الأشعة (والثانى) وجود ذرات الغبار الدقيقة فى الجو حيث تنكسر عليها الأشعة الضوئية فيظهر النور، ومن المعروف أن ذرات الغبار توجد فى الغلاف الهوائى إلى ارتفاع عدة أميال، ويليها فضاء مظلم لخلوه من هذه الذرات. وبذلك يكون النور قد ظهر على الأرض:
( أ ) بعد انقشاع الضباب والأبخرة التى كانت حواجز فى طريق الأشعة تعمل على انعكاسها فى جهات مضادة للأرض.