سراج الكلمة
‹الإصحاح ٦ · الأرشيدياكون نجيب جرجس
⇄ قارن تفسيرين
سفر التكوين - تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس · الإصحاح ٦ · صفحة ٩٨

تفسير الإصحاح ٦ من سفر التكوين — ص ٩٨

تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس


بنى الله الأبرار تزوجوا من بناتهم فولدوا هم أيضاً جبابرة.

الذين منذ الدهر ذوو اسم: منذ الدهر أى منذ الأجيال القديمة وذوو إسم أى لهم سمعة وصيت. ومن هذا نستخلص أن الإنسان فى هذه الأجيال قد اخطأ بوجوه كثيرة :
(۱) لأن الرجال لم يحسنوا اختيار الزوجات.
(۲) وأصبح فكر الإنسان متجها نحو الحسن الجسدى.
(۳) ونحو القوة الجسدية.
(٤) ثم نحو الصيت العالمى. بينما أهملت النواحى الروحية والأمور المتعلقة بالحياة الأبدية.

حزن الله لخلقه الإنسان (ع٥-٦)

٥ . ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فى الأرض. وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. ٦ . فحزن الرب أنه عمل الإنسان فى الأرض. وتأسف فى قلبه.

مما يؤسف له أن شر الإنسان قد كثر على الأرض، ولم يعمل الإنسان الشرور الظاهرة فقط، بل كانت تصوراته وأفكاره أيضا شريرة، والله مطلع على أعمال الناس الظاهرة والمستترة، وحتى على تصور أفكاره.

فحزن الرب.. وتأسف فى قلبه ليس معنى هذا أن الله يقع تحت الانفعالات البشرية ولكنه تعبير بلغة البشر يقصد به عدم مسرة الله بأعمال الإنسان وعدم رضاه عنها لأن الإنسان لم يحقق بأعماله مقاصد الله من خلقه.

يعترض بعض الناقدين مثل (ول ديورانت Will Durant) على نسبة الأعمال والصفات الخاصة بالإنسان إلى الله. ونجيب على هذا بأن الكتاب المقدس قد نزل بلغة البشر ولنفعهم الروحى، ومن المعروف أن لغة البشر قد جعلت لتكون فى مستوى العقول والمدارك البشرية، وأنها لغة محدودة بالنسبة للأمور الخاصة بالله. فلكى يوصل الله اليهم الحقائق الإلهية يستخدم لهم لغتهم وأساليبهم، كما يتمشى المعلم مع الطفل ويحدثه بلغته فى تلقينه العلوم والمعارف. ولذلك عندما يعبر الوحى مثلا عن علم الله المطلق وأطلاعه على كل شئ يقول أن عينيه تخترقان أستار الظلام، وعند التعبير عن استجابته أو عدم استجابته للصلاة يقول أن الله يصغى بأذنيه أو يسد أذنيه حتى لايسمع. وللتعبير عن محبة الله لشعبه يقول : أنه خطبه لذاته كعروس لرجلها، وللتعبير عن انتهاء الله من خلق جميع أنواع المخلوقات يقول أنه استراح من أعماله. وهكذا الحال فى التعبير هنا عن عدم رضاه ومسرته بأعمال الإنسان الذى خلقه على صورته ومثاله أنه حزن وندم وتأسف فى قلبه.

والمؤمنون فى كل الأجيال يستعملون هذه التعبيرات فى عبادتهم وحديثهم عن الأمور الخاصة بالله، فبالرغم من إيمانهم بعدم محدودية الله يطلبون اليه فى صلواتهم أن يأتى ويحل فى وسطهم، ويسكن فى قلوبهم، وبالرغم من ايمانهم بأن الله روح يطلبون اليه أن ينظر اليهم بعينه، ويصغى بأذنيه إلى صلواتهم، وهكذا.