سفر التكوين - تفسير الكتاب المقدس
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
وعلى ذلك فرغما عن كل مايدعيه أصحاب الآراء الحرة وغيرهم لم تكن هذه الألواح مصدر رواية الخليقة فى سفر التكوين، تلك الرواية التى تحل مكانها الرفيع بلا منازع، وما قالته مسز موندر وهى عالمة شهيرة فى الآثار البابلية فى اجتماع بمعهد فيكتوريا "أن من يقول بأن كاتب سفر التكوين قد تأثر بالأفكار البابلية يحكم على نفسه بالجهل بتلك الأفكار".
ثالثا: أما عن وجود (موسى) بالفعل فهذا أمر حقيقى أثبته التاريخ وأجمعت عليه الشعوب كلها كالمصريين والفينيقيين والأشوريين واليونانيين والرومانيين وغيرهم، كما تأيدت حقيقة وجوده ليس فى كتبه الخمسة فقط بل فى الكتب التى كتها أنبياء اليهود فى العهد القديم (راجع يش ۱: ۱ ، قض ۱: ١٦ ، ۱ صم ۱۲: ۶ ، ۱مل ۲: ۳ ، ۲مل ١٤: ٦ ، عز ٣: ۲ ، نح ۱: ۷ ، مز ۷۷: ۲۰ ، أش ٦٣: ۱۱ ، أر ۱: ۱ ، دا ۹: ۱۱ ، ملا ٤: ٤) وقد شهدت بوجود الديانة المسيحية (مت ۸: ٤ ، ۱۷: ۳ ، مر ۱: ٤٤ ، لو ۲: ۲۲ ، يو ۱: ۱۷ ، رو ٥: ١٤ ، عب ۳: ۲ ، رؤ ٥: ۳۱) وذكر فى الاسلام فى كثير من السور القرآنية.
(سورة البقرة ٥١ ، آل عمران ٩٤ ، النساء ١٥٣ ، المائدة ٢٠).
وإذا كان فى أبطال الشعوب من يشبه بموسى من بعض الوجوه فهذا لايعنى عدم وجود موسى لأن الأشخاص كثيرا مايتخذون لأنفسهم مثلا عليا من الأبطال، والشعوب كثيرا ماتنسب لأبطالها بعض ماتستحسنه من الصفات التى يتصف بها أبطال آخرون سواء فى الشعوب نفسها أو فى شعوب أخرى، واذا كا نيرون الطاغية قد قام باحراق روما ليرى صورة لحريق طرواده الذى قام به أوليس ملك اليونان وجيشه، فهل ينفى عمله هذا وجود أوليس؟ ويكفى أن فولتير المتطرف يشبه موسى ببكخوس اله العرب مع أن بكخوس هذا شخصية خيالية لا وجود لها فى التاريخ !!
رابعا: أما عن القول بأنه يتعذر على موسى فى ذلك التاريخ القديم أن يكتب الشرائع الدينية والسياسية والاجتماعية التى وردت فى التوراة فنجيب بأن التاريخ القديم يثبت أن الشعوب القديمة التى عاصرت موسى والتى كانت قبله كان لها شرائع دينية وقوانين سياسية ومبادئ اجتماعية وأدبية منظمة وفيها أمور حسنة وانسانية، يرجع هذا إلى اقتباس الشعوب من الأتقياء والصديقين بطريق المجاورة أو التقليد كما أسلفنا، وإلى الناموس الطبيعى فى الانسان. ومن أمثلة ذلك ماتركه المصريون القدماء من النصائح الأدبية والاجتماعية الثمينة وماتركه الملك أخناتون من تسابيح للاله أتون وماجاء فى كتاب الموتى، وماتركه حمورابى ملك بابل من القوانين، وكان هذا الملك معاصرا لأبينا ابراهيم أى قبل موسى بأجيال طويلة، فمجئ التوراة فى عهد موسى بالشرائع الراقية أمر مؤكد أن يستغربه العقل ليس لأن الإنسان كان قد قطع شوطا فى المدينة والتقدم فحسب، بل بالأولى لأن الله تعالى هو الذى أوحى بها إلى عبده موسى لتكون هداية ونبراسا للمؤمنين.
خامسا: أما إنكار نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى فهو أمر لا سند له ولا دليل وليس إلا تهمة باطلة يلصقها المغرضون بالكتاب المقدس :
١- فلدى النقد الداخلى لهذه الكتب يتضح جلياً أن الكاتب شخص عاش في العصور