سفر التكوين - تفسير الكتاب المقدس
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
و(أما الرجل موسى فكان حليما جدا. عد١٢: ٣) إلى غير ذلك.
ويحسن بنا أن نورد ردودا سريعة على هذه الشبهات ومثيلاتها فيما يلى :
أولا: بخصوص إلمام موسى بالكتابة ووجود الكتابة بالفعل قبل عصره بأجيال طويلة، فهذا أمر لايحتاج ايضاح، فان موسى قد تربى فى بلاط فرعون وتهذب بكل حكمة المصريين، ومن المعروف أن الكتابة كانت معروفة فى مصر وفى غيرها من الشعوب المتحضرة فى أيام موسى وقبله، وقد كان المصريون القدماء يكتبون على جدران معابدهم وعلى المسلات وعلى ألواح الآجر، وعلى البردى الذى كانوا يزرعونه ويصدرونه إلى الخارج وعلى الرقوق، ومن المعروف أن الكتابة البهستانية المعروفة بالخط المسمارى كانت معروفة فى قارتى آسيا وأفريقيا قبل عهد أبينا ابراهيم، وقد وجد فى تل العمارنة بمصر ألواح من الطين عليها كتابات بالخط المسمارى ويرى المستر سايس والكولونيل كوندر والدكتور نافل أن موسى لابد وأن يكون قد كتب أول نسخة من التوراة بالخط المسمارى على ألواح من الآجر كما كانت العادة فى مصر.
وفى أطلال أور الكلدانيين التى كان يسكنها أبونا ابراهيم عثر على آثار لمدارس ووجدت ضمنها أعداد وافرة من ألواح اللبن التى كان التلاميذ يتعلمون فيها وقد وجد عليها دروس القراءة والنحو والنظريات الرياضية والحسابية كاستخراج الجذر التربيعى والجذر التكعيبى وايجاد مساحات الأشكال المتعددة الأضلاع، كما يوجد على بعضها إرشادات فى الطب والجراحة وغير ذلك.
وقد ثبت من التاريخ أن الخط المسمارى كان مستعملا فى بابل قبل عهد أبينا ابراهيم فى الأمور الدينية والسياسية وفى جميع المصالح، وقد كان لبابل مؤسسة بريد المراسلات إلى أقصى مستعمراتها فى فلسطين من أيام الملك نارام سن الذى حكم قبل أيام ابراهيم بمدة طويلة، وكان بهذه المملكة القديمة الكثير من المدارس والمكتبات، وكان الرجال والنساء يتعلمون القراءة والكتابة حتى أن البروفسور سايس يقول "لقد كانت بابل فى عصر ابراهيم مملكة مستنيرة بالعلوم والمعارف أكثر من انجلترا فى عصر الملك جورج الثالث.
ثانيا: أما عن الاعتراض باحتواء الديانات الوثنية على بعض الشرائع والقصص المشابهة لما جاء فى التوراة فنقول أن هذا الأمر مما يؤيد صحة الكتاب المقدس.
(١) فمن المعروف أن العصور القديمة التى سبقت التوراة لم تخل من أشخاص مؤمنين بالله وقد عرفوا الكثير من الأمور التى ترضى الله أو تغضبه من وجوه الخير والشر، لما كان لهم من الصلة العميقة بينهم وبينه تعالى. فان وجدت بالديانات الوثنية شرائع أو آداب راقية تكون منقولة بطريق المجاورة أو التقليد عن هؤلاء الأشخاص الصديقين وإن كان قد لحقها بعض التشويهات.
(ب) فضلا عن ذلك وجود الناموس الطبيعى الذى أوجده الله تعالى بحكمته فى الناس وقد أخذت بعض الديانات الوثنية والفلسفات البشرية الكثير من مبادئ هذه الشريعة الطبيعية. فوجود مشابهات بين ماجاء به الوحى وبين الشريعة الطبيعية