تفسير الإصحاح ١٥ من سفر التكوين — ص ١٦٠
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
الخطية، وقد حسب إيمان ابراهيم براً لأنه صدق مواعيد الله فى أصعب الظروف حينما وعده بأن يعطيه نسلا رغم شيخوخته ومماتية مستودع سارة (رو ٤: ١٩). ويتحدث العهد الجديد عن حقيقتين تتعلقان بالايمان : (الأولى) أن التبرير بدم المسيح لم يكن أساسه استحقاقات الإنسان وانما نعمة الله المجانية وقد ذكر بولس الرسول هذه الحقيقة فى (رو ٣، ٥، غل ٣) تصحيحاً لأخطاء المتنصرين من اليهود ومن الأمم، فاليهود كانوا يظنون أنهم أولى بالتبرير لاجتهادهم فى حفظ الناموس ولانتسابهم إلى إبراهيم، والأمم كانوا يظنون أنهم أولى بذلك لفضائلهم الطبيعية وفلسفاتهم ولعدم عصيانهم لله ونكرانهم للمسيح مثل اليهود والرسول أظهر أن الجميع قد زاغوا وفسدوا وأن الخلاص والتبرير يكونان بالايمان بالمسيح وقبول عمله الفدائى الذى لم يعتمد لا على أعمال الناموس ولا على فضائل الأمم، وقد طبق هذا على ايمان ابراهيم وتبريره قبل أن يدخل فى عهد الختان أو أن يعرف الناموس (والحقيقة الثانية) يوضح فيها الوحى معنى الايمان وأبعاده، فالايمان لكى يبرر صاحبه ويجعله أهلا لاستحقاقات عمل المسيح الفدائى يجب أن يكون إيمانا حيا عاملا مثمرا لا إيمانا نظريا عقيما مثل إيمان الشياطين الذين يؤمنون ويقشعرون (يع ٢: ١٩) ولأن الايمان بدون أعمال ميت (يع ۲: ۲۰)، فمن هذه الناحية يوجد نوعان من الأعمال: أحدهما الأعمال التى يظنها الناس مكملة لعمل الفداء مثل اعمال الناموس عند اليهود، وهذه باطلة لأن دم المسيح وحده فيه الكفاية لسد مطاليب العدل الإلهى، أما الثانية فهى الأعمال التى يجب أن تترتب على إيمان المؤمنين والتي تقتضيها حياة أولاد الله والتى تليق بالدعوة التى دعوا اليها (أف ٤: ١). وهذه لا تنقص من مقام عمل الفداء بل بالعكس تليق بالمؤمنين، وفيها تقدير أعظم لذبيحة المسيح الكفارية وتقديس للحياة الجادة المثمرة. والكتاب يطبق هذه الحقيقة أيضا على إيمان ابراهيم فيذكر أنه كان مقترنا بالعمل لأن ايمانه فى حد ذاته كان عملا، لأنه كان جهاداً ضد الطبيعة البشرية التى لاتميل إلى تصديق المواعيد الصعبة ولا تقبل إلا الأشياء الحسية، وفى نفس الوقت قد اقترن بالطاعة والتضحية لأنه ترك أهله وعشيرته ورضى بأن يقدم إبنه ذبيحة (يع ۲: ۲۱-۲۲).
تأكيد الموعد لأبرام (ع۷)
٧. وقال له أنا الرب الذى أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها.
فى هذه الآية تذكير لأبرام بأن الذى يخاطبه هو الرب (يهوه) الذى دعاه من أرضه ليعطيه أرض كنعان.
إبراهيم يطلب إيضاحا لقول الله (ع٨)
٨. فقال أيها السيد الرب بماذا أعلم أنى أرثها.
ليس هذا سؤال الشك وإنما هو استفسار يطلب فيه ابراهيم إيضاحا لوعد الله كما طلبت