تفسير الإصحاح ٨ من سفر التكوين — ص ١١٢
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
حادث الطوفان والآثار
إن حادث الطوفان من أكثر الحوادث ورودا في آثار الشعوب المختلفة من ذلك مثلا :
⦿ أولا آثار بابل : أثبتت سجلات بابل حوادث وقعت قبل الطوفان وحوادث حدثت بعده، من ذلك أن كاهنهم ومؤرخهم (بيروسوس) يذكر أسماء لعشرة من ملوك بابل ويقول أنه فى عهد عاشرهم وهو (كيزوثروس) وقع الطوفان.
ولعله من أروع ما كتب عن الطوفان قصة (جلجاميش) التى عثر عليها في مكتبة (أشور بانيبال) في آثار نينوى وفيها يقص الملك (أوت نابشتيم) ويدعى أيضاً (كيزوثروس على جلجاميش الذى يدعى أيضا أذدبار) كيف أن أربعة من الآلهة فكروا في إهلاك العالم بالطوفان وكيف أمره الإله الصالح (ايا) أن يصنع فلكا ليدخل فيه مع أسرته، ثم يصف له كيف وقع الطوفان، وكيف أرسل الطيور لتفقد أحوال الأرض وكيف عاد إليه أهدها بغصن من الشجر وكيف خرج من الفلك وقد مذبائح الشكر للآلهة.
⦿ ثانيا آثار الهند : وجدت صورة في هيكل للبوذيين لنوح وهو في الفلك والآلهة (كوانين) تنظر اليه بشفقة، ورسم لحمامة تطير إلى الفلك وفى فمها غصن زيتون.
ومن قصص الهنود أيضا أن الإله براهما ظهر (لمانو) البار في هيئة سمكة وأمره بأن يصنع فلكا يدخل فيه مع السبعة الأبرار، ثم ربط الفلك بقرنى السمكة فسبحت به في وسط الطوفان أجيالا طويلة ولما خرج أمرته بأن يخلق العالم من جديد.
⦿ ثالثا آثار اليونان : من قصصهم أن الإله (جويتر) أمر (ديوكاليون) البار بأن يدخل الفلك مع امرأته وأسرته وأزواجا من الحيوانات، ولما رسا الفلك على جبل (بارتاسوس) نبهته الحمامة إلى انخفاض الماء، وعندما خرج قدم ذبائح الشكر.
⦿ رابعا آثار فريجية : وهى من مقاطعات آسيا الصغرى، ومن أخبارها أن (أناخوس) الذى قد يكون محرفا عن نوح أو أخنوخ لما أنبئ بخبر الطوفان بكى لأجل الناس. وقد وجدت في (أباميا) بفريجية قطع من العملة عليها صورة الفلك وبداخله أشخاص، وخارجه طائران أحدهما في فمه غصن زيتون، وبجانبه صورة لنفس الأشخاص وهم يقدمون الذبائح بعد نجاتهم، وقد نقش عليه إسم (نوح). ومن العجيب أن اسم المدينة القديم كان (كبوتوس) أى الفلك لأن أهلها كانوا يظنون أن الفلك استقر في مدينتهم.
وقد وجدت قصة الطوفان في آثار الصين والمكسيك وغيرهما. وهذه الآثار وغيرها تؤكد أن كارثة مدمرة وقعت للعالم وقد تناقلها الخلف عن السلف تصديقا لما جاء في الكتاب المقدس، كما ترجح أن الطوفان كان عاما.
⦿ خامسا هذا ومن الوقائع الجيولوجية أن الحفريين قد عثروا في مناطق دجلة والفرات على طبقات من الطمى أرجعوا تاريخها إلى تاريخ الطوفان تقريبا، وقد عثر تحتها على آثار مخلفات بشرية مما يدل على هذا أن الطمى قد ترسب بتأثير فيضان مدمر غطى تحته حضارة بشرية قامت بعدها حضارة جديدة.