تفسير الإصحاح ٨ من سفر التكوين — ص ١٠٨
تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس
تقديم نوح ذبائح للرب (ع۲۰)
٢٠ . وبنى نوح مذبحا للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح.
كان أول عمل عمله نوح بعد نجاته من الطوفان وخروجه من الفلك أنه بنى مذبحا للرب وقدم عليه ذبائح من جميع الحيوانات والطيور الطاهرة، إقرارا بمراحم الله وتعبدا لجلاله، وتعبيرا عن شكره وتمجيده.
ومن الواجب على المؤمنين أن يعلموا أن كل مايقابلهم من نجاح ومن خلاص هو من الله، وأن يقدموا اليه تعبدهم وشكر قلوبهم دائما.
قبول الرب ذبائح نوح (ع۲۱-۲۲)
٢١ . فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال الرب في قلبه لا أعود ألعن الأرض أيضا من أجل الإنسان لان تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته. ولا أعود أيضا أميت كل حى كما فعلت. ٢٢ . مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف وشتاء ونهار وليل لاتزال.
في هذه الآيات :
(۱) اعلان رضى الله حيث يقول (فتنسم الرب رائحة الرضا)، ومعناها أنه اشتم رائحة السرور، وهو تعبير مجازى يعنى أنه سر بذبيحة نوح وقبلها، وأنه رضى عن البشر وعن بقية الخلائق وكلها تمثلت في نوح والأحياء التي معه.
(۲) اعلان عن عدم الله على اهلاك العالم اهلاكا كاملا فيما بعد
(۳) وعن عدم لعنه الأرض من أجل شرور الإنسان مرة أخرى.
(٤) وعن استمرار قيام قوانين الطبيعة بعملها.
(وقال الرب في قلبه) أى قال الرب لذاته، وهذا تعبير مجازى يعبر عن عزم الرب على عمل ما.
(لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته) أعلن الله أنه لن يلعن الأرض وأنه لن يعود فيهلك جميع الأحياء من أجل شرور الإنسان كما فعل في أيام نوح، والسبب في ذلك أن الإنسان ميال إلى الشر حتى تكاد الخطية تكون من طبعه، وقوله (لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته) يعنى أن أفكاره وطرقه الشريرة ظهرت بعد أن خلقه الله بمدة وجيزة، والدليل على ذلك أن آدم أخطأ وهو في الجنة وقايين قتل أخاه بعد سكنى الإنسان على الأرض بقليل، وكان البشر حديثى العهد على الأرض حينما أخطأوا وأهلكهم الله بالطوفان.
وقد يسأل البعض : لماذا سمح الله اذن بالطوفان الذي أهلك العالم في أيام نوح، ونجيب بأن الله سمح بذلك لكى يعلن بغضه للخطية، ويوضح للأجيال بشاعة العصيان وسوء عواقبه، ولكى يكون الطوفان الأول عبرة لجميع الأجيال وشاهدا عليها، وإن كان الله لا يبيد العالم جميعه لأجل الخطايا، فانه كثيرا ما يلحق بالخطاة عقوبات وخسائر مروعة،