سراج الكلمة
‹الإصحاح ٨ · الأرشيدياكون نجيب جرجس
⇄ قارن تفسيرين
سفر التكوين - تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس · الإصحاح ٨ · صفحة ١٠٦

تفسير الإصحاح ٨ من سفر التكوين — ص ١٠٦

تفسير سفر التكوين - سلسلة تفسير الكتاب المقدس – الأرشيدياكون نجيب جرجس


التى كان قد عملها وهى خلاف الكوا القريب من السقف. وخرج الغراب (مترددا) أى يروح ويجئ، ولعله كان يبيت فى الفلك أو فوقه، ولاشك فى أن ما رآه من الجيف الطافية على الماء وجد فيه طعاما لنفسه، ففضل ذلك على الدخول إلى الفلك، والخاطئ الذى تلهيه ملذات العالم، وتحلو له جيف الخطايا والمآثم والشهوات فيظل مترددا عليها ويرفض الدخول إلى حظيرة النعمة، والاحتماء فى أحضان الرب، يشبه هذا الغراب الجاهل.

إرسال الحمامة (ع٨-١٢)

٨. ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض. ٩. فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها فرجعت إليه إلى الفلك لأن مياها كانت على وجه كل الأرض، فمد يده وأخذها وأدخلها عنده إلى الفلك. ١٠. فلبث أيضا سبعة أيام أخر وعاد فأرسل الحمامة من الفلك. ١١. فأتت إليه الحمامة عند المساء وإذا ورقة زيتون خضراء فى فمها فعلم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض. ١٢. فلبث أيضا سبعة أيام أخر وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضا.

أرسل نوح الحمامة ثلاث مرات لتفقد الأحوال على الأرض وربما يكون ذلك بعد غياب الغراب بسبعة أيام :
(۱) ففى المرة الأولى (لم تجد الحمامة مقرا لرجلها) بالنسبة لكثرة المياه فعادت إلى الفلك.
(۲) وفى المرة الثانية عادت وفى فمها ورقة زيتون خضراء فعرف نوح أن الأشجار قد ظهرت فوق المياه، وأوراق الزيتون الخضراء يشار بها روحيا إلى السلام والخير، والحمامة فى ذلك تمثل صانعى السلام وأصحاب البشارات الطيبة للعالم، والكتاب يقول (ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات) (رو١٠: ١٥).
(۳) وفى المرة الثالثة كانت المياه قد قلت على الأرض فلم تعد الحمامة إلى الفلك.
نلاحظ أن الفترة بين ارسال الحمامة فى كل مرة كانت سبعة أيام. وهذا يدل على أن الآباء كانوا يهتمون بحساب التواريخ وتقسيم الزمن إلى أسابيع يرجع إلى أنهم كانوا يقدسون السبت ويحافظون على العبادة الاسبوعية.

(فلم تجد الحمامة مقراً لرجلها فرجعت اليه إلى الفلك لأن مياها كانت على وجه كل الأرض فمد يده وأخذها وأدخلها عنده إلى الفلك) لنا فى هذا القول الإلهى بعض التعاليم الروحية:
(۱) أن النفوس النقية لاتجد لها مقرا بين أمواج الخطايا، ولا يسعدها أن تتردد بين الجيف، ومقر راحتها الوحيد هو صدر حبيبها حيث تهرع اليه فيقبلها اليه ويريحها من متاعبها. فيا أخى لا تتجول هنا وهناك بعيدا عن رب المجد، لأنه هو وحده فلك النجاة، واذا أتعبتك أمواج العالم، وحاول اليم أن يغرقك، فأسرع ولاتتوان، واقرع الباب. فيفتح لك، ويمسكك بيمينه، ويدخلك إلى حجاله، وحينئذ يحق لك أن تترنم (أدخلنى الملك إلى حجاله نبتهج ونفرح بك نذكر حبك أكثر من الخمر) (نش ١: ٤). وتذكر دائما أن (حبيب الرب يسكن لديه آمنا يستره طول النهار وبين منكبيه يسكن) (تث٣٣: ١٢).