تفسير الإصحاح ٢٨ من سفر التثنية — ص ٣٤٧
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
العددان ٤٩ و ٥٠ (أ) : يرى البعض أحياناً أن هذه الأعداد تشير إلى البابليين ( قارن إر ٥ : ١٥ ) ، وعلى هذا يرون أنها كُتبت في فترة السبي أو بعدها ، ثم أُضيفت بعد ذلك إلى النصِّ الأصلى للسفر ، لكن ليس هناك ما يوجب تحديد الأعداء على أنهم البابليون ، فالأشوريون أيضاً جاءوا من بعيد ( إش ٥ : ٢٦ ) تماماً كما جاء البابليون بعد ذلك . وأىُّ عدو في مثل هذا الموقف يفعل ما ذُكر . إنَّه كالنسر جاء وانقض للدمار والخراب . نفس الصورة نجدها في هوشع ٨ : ١ ، إشارة إلى الأشوريين ، وفي حبقوق ١ : ٨ ، وإرميا ٤٨ : ٤٠ ، ٤٩ : ٢٢ ، عند الإشارة في هذه المواضع إلى الكلدانيين . وكان هؤلاء الأعداء يتكلمون لغات غير معروفة للإسرائيليين . وقد صيغت هذه التعبيرات بطريقة تجعلها تنطبق على أىٍّ من الغزاة سواء كانوا الأشوريين أو البابليين أو اليونانيين ( قارن دا ٨ : ٢٣ ) .
العددان ٥٠ ( ب ) و ٥١ : يلي ذلك وصف تفصيلي لما سيفعله هؤلاء الغزاة ، إنهم لن يترفقوا بصغير أو كبير ، طفل أو شيخ ، ولن يخلِّفوا وراءهم شيئاً من المحاصيل والبهائم ، وسيتركون إسرائيل تعانى الجوع والمسغبة .
أعداد ٥٢ - ٥٧ : هنا وصف حىٌّ دقيق لفظائع الحصار الذي عرفته إسرائيل على امتداد تاريخها الطويل ، ولابد أن أهوالاً مشابهة ارتكبت بحيث لا يمكن القول أن هذه الآيات قد كتبت بعد سقوط أورشليم . هنا مقارنة بين ميول الغزاة الطبيعية (٥١) ، واللهفة غير الطبيعية التي دفعت الإسرائيليين في زمن الحصار إلى أكل أبنائهم ( ٥٣ ) ، الأمر الذي يدل على فقدانهم لكل المشاعر الإنسانية وتجردهم من الرحمة والشفقة ، حتى على أولادهم وفلذات أكبادهم . ويا لهول الصورة التي تقطر دماً فى معظمها . نادراً ما نجد في الكتاب المقدس صورة أبشع من هذه تعبر عن مدى الانحطاط الذي وصل إليه الناس في إسرائيل في زمن الحصار ، حيث « بخلت المرأة بمشيمتها الخارجة من بين رجليها ، على رجل حضنها وعلى ابنها وبنتها » ، واضطرت بعد ذلك أن تأكل ليس فقط مشيمتها ، بل أيضاً ابنها الذى ولدته حديثاً ، أكلتهما سِرًّا بسبب الجوع دون أن تعطى لزوجها شيئاً من هذه الوجبة الرهيبة ، ولن يكون فى كل الأرض ما يحول دون وقوع هذه اللعنات والشرور ( ٥٣ و ٥٧ ) . وهناك صور شبيهة لهذه الأهوال الناجمة عن الحصار نراها فى لا ٢٦ : ٢٩ ، ٢ مل ٦ : ٢٨ و ٢٩ ، إر ١٩ : ٩ ، مراثى ٢ : ٢٠ ، ٤ : ١٠ ، حز ٥ : ١٠ .