تفسير الإصحاح ٢٥ من سفر التثنية — ص ٣١٦
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
الأصحاح الخامس والعشرون
٢٥ : ١ – ٣ : حدود العقاب البدنى :
كان فى إسرائيل مفهوم نبيل عن كرامة الإنسان ، وفى الأمور التى كانت تتطلب عقوبة بدنية .. كان هناك عقاب يتناسب مع كل جريمة ، وتنفيذ العقوبة المستحقة على كل إنسان لم يكن بقصد إهانته فقط بل تذهب إلى أبعد من ذلك وهو تحقيره كإسرائيلى والحط من قدره .
وفى الحالة التى أمامنا شخصان من إسرائيل دَبَّت بينهما خصومة ، احتكما بسببها إلى القانون وصدر الحكم الذى اعتبر أحدهما بريئاً والآخر مذنباً . فإذا ما حُكِمَ على المذنب بالجلد كان تنفيذ الحكم يتم فى حضور القضاة بحسب ما يستحقه من عقاب ، الأمر الذى كان يضمن للمشكو فى حقه محاكمة عادلة ويحول دون التسرع فى إنزال العقوبة به ، بل إن هناك قيد آخر عند تنفيذ العقوبة ، إذ يمنع ضربه بأكثر من عدد الجلدات التى حُكِمَ عليه به حتى لا يصير محتقراً فى عيون إخوته بسبب كثرة الضرب الذى ينزل به إلى مرتبة الحيوان . والفعل « يحتقر » يعنى حرفياً « يستخف به » ، أو « يُحطّ من شأنه » ، والحد الأقصى لعدد الجلدات المسموح بها قانوناً كان أربعين جلدة لا تزيد . وهذا العدد كان موجوداً فى القانون الأشورى ، الأمر الذى يوحى بانتشار هذه العقوبة . لكن فى عصور تالية خُفّض العدد إلى تسع وثلاثين جلدة .
عدد ٤ : الثور الدارس لا يُكَمْ . كانت المحاصيل فى المجتمعات الزراعية فى الشرق الأوسط تُدرس بواسطة نَورج يجره ثور . هذا النورج له اسطوانات دائرية ، تدور عندما يَجره الثور ، عندئذ يتم فصل الحب من القش ، ثم بعد ذلك كانوا يذرّون الحبوب والتبن معاً فى الهواء بمذراة عريضة ، فتحمل الريح التبن بعيداً عن الحبوب التى تبقى فى مكانها فيجمعونها إلى مخازن ، وكما كان محظوراً على صاحب الحقل أن يحرم الفقراء من نصيبهم فى الحصيد ( ٢٤ : ١٩ – ٢١ ) ، هكذا كان عليه أيضاً ألا يكم الثور الدارس فيحرمه من الأكل من الحصيد أثناء جره للنورج . وهكذا نرى أنه كان مطلوباً إظهار الرفق والحنان نحو جميع خلائق الله من إنسٍ وحيوان ( ٢٢ : ٦ و ٧ ، أم ١٢ : ١٠ ) ، وقد اقتُبس هذا المبدأ فى العهد الجديد لمساندة وجهة النظر القائلة « إن الفاعل مستحق أجرته » ( ١ كو ٩ : ٩ ، ١ تى ٥ : ١٨ ) .