تفسير الإصحاح ٣٢ من سفر التثنية — ص ٣٧٣
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
الأصحاح الثاني والثلاثون
أعداد ١ – ٤ : النداء الموجه إلى السماء والأرض لكى تنصتا إلى الاتهام الذى يوجهه الرب لشعبه أمر معروف ومذكور فى مواضع أخرى من سفر التثنية ( ٤ : ٢٦ ، ٣١ : ٨ ) ، وفى غيره من أسفار الأنبياء ( إش ١ : ٢ ، مى ٦ : ١ و ٢ ) . وهذان ( السماء والأرض ) ، هما الأكثر دواماً بين خلائق الله . وهما مطالبتان بأن تسمعا أقوال فم « موسى » ، والكلمة فى الأصل العبرى تعنى الكلام الذى أخذه « موسى » أى أن الكلام الذى ستسمعانه هو فى الأصل الكلام الذى تلقاه « موسى » من الله ، وقد وُصف هذا الكلام بأنه .. « كالمطر .. كالندى .. كالطل .. كالوابل » ، أى أنه هو الذى يهب الحياة ويؤدى إلى إنعاش الشعب عند الحاجة « أقوال فمى .. وتعليمى » ، من الكلمات شائعة الاستخدام فى أسفار الحكمة بوجه خاص ، لكنها تستخدم أيضاً فى بقية الأسفار ( مز ١٧ : ٦ ، ٧٨ : ١ و ٢ ، أم ٤ : ٢ ، ١٦ : ٢١ و ٢٣ ، إش ٢٨ : ٢٣ ، ٢٩ : ٢٤ ) . وهذه الأعداد باستخدامها فى أسلوب ثلاثى مُرَكَّز تمثل طابعاً مميزاً لأسلوب النشيد كله . الهدف المُعلَن لهذا النشيد هو المناداة باسم ( شخص ) الرب ، والإقرار بعظمة الله « الصخر الكامل صنيعه » ، أى الإله الذى كل أعماله كاملة ، وهو إله أمانة لا جور فيه ، ولا ظلم عنده ، بل جميع سبله عدل .
العددان ٥ و ٦ : فى عدد (٥) إتّهام مباشر تتبعه تساؤلات فى عدد (٦) ، وهذه صفة طبيعية من صفات هذه الصيغ الأدبية ، ورغم أن الاستفهام الذى يفتتح به الاتهام موجز جداً ، إلا أنه اتهام قاطع(١) . وفى العهود المدنية كان الملك أو رسوله هو الذى يمثل الإدعاء ، ويقوم بتوجيه الاتهام ، وهو بذاته الذى يوجه النداء الافتتاحى إلى السماء والأرض يدعوهما للشهادة والإصغاء ، وهو الذى يردد ما سبق أن قدمه الملك العظيم لشعبه ، فى الأيام الخوالى . والتشابه هنا قريب جداً حيث نجد أن الرب هو الملك ، و« موسى » هو رسوله ، وفساد إسرائيل الذى يوصف هنا ، بأنه « جيل أعوج ملتوٍ » ،
(١) انظر كتاب الحياة ٣٢ : ٥ ، « لقد اقترفوا الفساد أمامه ولم يعودوا له أبناء بل لطخه عار . إنهم جيل أعوج وملتوٍ » ( المحرر ) .