تفسير الإصحاح ٢٧ من سفر التثنية — ص ٣٣٧
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
الأوسط القديم . وقد يبدو من قائمة اللعنات والبركات أن اللعنات أكثر بكثير مما يدعو البعض إلى القول بعدم تناسق الفقرة ، إلا أن هذا كان أمراً طبيعياً في معاهدات الشرق الأوسط القديمة . ومما يسترعى الانتباه أن البركات هنا مذكورة في الأعداد من ١ - ١٤ ، بينما شغلت اللعنات ما يقرب من أربعة أمثال هذه المساحة ( من ١٥ - ٦٨ ) . وقد يكون هذا راجعاً إلى أن أسلوب تهديد منتهك العهد بالعقوبات القاسية ، هو أنسب الأساليب لطبيعة الإنسان الميالة إلى الشر ، لأن الوعيد أفضل من الوعد ، والترهيب أقوى من الترغيب في ردع الإنسان ورده عن طريق الإثم والعدوان(١) . وينقسم هذا الأصحاح إلى قسمين : البركات واللعنات ، وبوجه عام نقول إن كلاً من البركات واللعنات تختص بالأمن والنجاح المادي ووفرة المحاصيل والاستقرار في الأرض التي يعطيها الرب لشعبه .
ويتميز سفر التثنية بالتركيز على مبدأ يقدّمه مراراً وتكراراً وبكل وضوح ، فحواه أن البركة على رأس المطيع للعهد بينما كل من يكسر عهد الله يجلب على نفسه دينونة ولعنة . وهذا مبدأ هام من مبادىء اللاهوت الإسرائيلي . وهذه الفكرة لا تقتصر على إسرائيل دون غيرها ، فهو مبدأ واضح جداً في كل العهود والمواثيق المدنية في كل بلدان الشرق الأوسط القديم . ومن الواجب ملاحظة خاصية بعينها في هذا التعليم ، إذ قد يبدو أن هذا المبدأ التثنوي يعمل بطريقة تكاد تكون آلية ، فالبركات تقدم كمكافأة للسلوك القويم ، واللعنات عقوبات ينزلها الله على كل أثيم لا يثبت في وصايا العهد الإلهي . وهذه نظرة سطحية جدًّا ، لذا علينا أن نخطو خطوة نحو ملاحظة أعمق . فإسرائيل هي الشعب الذي دخل معه الله في عهد ، والله في نعمته الخالصة قام بأعماله الخلاصية العظيمة في صالح إسرائيل ، ثم دعاها للدخول معه في عهد ، وبروح الامتنان والشكر قبلت إسرائيل الدعوة التي وجهها إليها الله ودخلت معه في العهد الذي خلق الأمة الإسرائيلية وحفظ كيانها وأعطاه معنى .
لذلك فإنه بعصيان إسرائيل لله تكون قد خانت العهد ورفضت في الوقت عينه المصدر الأوحد لحياتها ، ولذا ، لكي تستمر إسرائيل متمتعة بوصفها المتميز ، كان يجب
(١) يقول ( م . نوث ) « إن كل من يعتمد على أعمال الناموس يضع نفسه تحت لعنته » ويختم ( نوث ) بقوله « لا مكان للرأي القائل أن البركة تكتسب بالأعمال الحسنة ، فالوعد ببركة مجانية .. على أنه إذا تصرف الإنسان كما يحلو له ستكون النتيجة إثم وخطية وارتداد ، يليها دينونة وعقاب ولعنة - وهكذا تصبح البركة مجاناً أما اللعنة فتتبع الخطية والإثم .