تفسير الإصحاح ١٧ من سفر التثنية — ص ٢٦٢
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
آخر ، إذ لماذا لا يكون «موسى» وقد عاصر أمثال هؤلاء الملوك والحكام في مصر وكنعان - قد أدرك التجاوزات التي كان يمكن أن يمارسها هؤلاء الملوك في حكمهم الاستبدادي الفردي المطلق ، ومن ثم كان حريصاً على تنبيه الشعب إلى هذه الأخطار خصوصاً وأنهم عاشوا قبل ذلك في ظل حكم دينى ، ومن جهة أخرى ، لم يكن من المستبعد احتمال تنصيب ملك أرضى على إسرائيل بشرط أن يستمد سلطانه من الله ، ويكون حكمه متوافقاً مع متطلبات العهد التي أعلنها الله بنفسه لإسرائيل ، لأنه هو - ( الله ) - في النهاية حاكمها وسيدها . غير أن إدراك هذه الحقيقة لا يحول دون احتمال مجيء يوم يقوم فيه في إسرائيل ويهوذا ملوك مستبدون يهملون العهد الإلهى ومتطلباته وعندئذ يكون الأمر يستدعى قيام جماعة من المصلحين ، يعملون على إعادة إسرائيل إلى التمسك بعهد إلهها ، وهؤلاء عند قيامهم لابد وأن يستعيدوا أقوال « موسى » في هذا الخصوص . لكى يظهروا بوضوح أنها تناسب الأجيال اللاحقة .
كانت إسرائيل في الأصل أمة دينية تحكم بنظام كونفيدرالى يضم أسباطها معاً ، وكلها تدين بالولاء لإله واحد هو ( يهوه ) . فكانت الملكية مطلباً ثانوياً بالنسبة لنظام الأسباط القديم . إلا أنه في إسرائيل قد وجد في عصر « صموئيل » النبي أناس طلبوا أن يكون لهم ملك يحكمهم كسائر الأمم والشعوب ( ١ صم ٨ : ٥ - ٩ و ١٩ و ٢٠ ) ، بل إن المطالبة بملك ترجع إلى أيام جدعون ( قض ٨ : ٢٢ و ٢٣ ) ، وكم كان يسعد صموئيل أن يقدم لهم قائداً أو أميراً بحسب ما تعنيه الكلمة العربية في بعض الترجمات ، لكن لم يسعده أبداً أن يمسح لهم مَلِكاً [ انظر ١ صم ٩ : ١٦ ، ١٠ : ١ ، ١٣ : ١4 ، ٢ صم ٦ : ٢١ ، ٧ : ٨ إلخ ] ، ولتحذير بني إسرائيل مما قد يفعله بهم الملك الذي قد يحكمهم ذات يوم رسم موسى للشعب صورة ملوك الكنعانيين لتحذيرهم من إقامة دولة مدنية ( علمانية ) لها سلطات مدنية كبيرة .
وليس هناك ما يبعث على الظن أن موسى كان أقل إدراكاً لأخطار الملك العلماني من صموئيل . وعليه يمكن القول إن « موسى » نفسه ، هو صاحب هذا التحذير الذي تتضمنه هذه الفقرة ، وهى الفقرة الوحيدة في التوراة التي تتعامل مع فكرة المملكة ولا يوجد أى نص آخر في التوراة عن الملك سواء كان على صورة حكم قاطع أو على شكل فتوى . كما أن صياغة هذه الفقرة تختلف عن غيرها من الفقرات التي سبقت دراستها حيث كنا نجد في بدايتها النص مُجَرَّداً يعقبه شرح له .