تفسير الإصحاح ١٢ من سفر التثنية — ص ٢٢١
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
ومع أنه ليس فى أصحاح ۱۲ بعد ذلك ما يمكن للمسيحيين تطبيقه ، إلا أنه يمكن أن نستخلص منه مبدأ هاماً ، مفاده أن مركز العبادة الوحيد ليس مكاناً لكنه شخص ( يو ٤ : ١٩ - ٢٦ ) . ففى شخص « المسيح يسوع » يجد المسيحى مركز العبادة الحقة . وتعليم مركز العبادة الوحيد للعبادة الذى يتحدث عنه سفر التثنية تعليم محدود ، لكن مع هذا يظل المبدأ صحيحاً .
(۲) الوثنية هى الخطية الأعظم ( ۱۲ : ۲۹ - ۱۳ : ۱۸ )
يوجد مقدمة للفقرات المركزية فى أصحاح ۱۲ ، وهى الأعداد ( ۱ - ۳ ) ، التى تحرّم كل الممارسات الوثنية التى يجب ألا تتدنس بها عبادة الله النقية عن طريق إدخال شيء من ممارسات الكنعانيين فيها ، وهذا هو الهدف الرئيسى من تحديد مكانٍ بعينه ليكون مركزاً للعبادة فى إسرائيل ( قارن ١٦ : ۲۱ - ۱۷ : ۱ ) .
وفى الأعداد التالية يعود الكاتب إلى هذا الموضوع مرة أخرى ، ونحن نشعر بمدى الصراع المطلوب لرفع عبادة بنى إسرائيل عن الدنايا . وكان واضحاً فى أذهان أحسن قادة الدين الإسرائيليين أن خلط بعض عناصر العبادة الوثنية مع عبادة الرب لن تؤدى إلى إثراء إيمانهم ، لأنه طالما أن هذه الممارسات الغريبة تعتبر معثرة يجب عليهم التخلى عنها .
ويمكن إدراك خطورة العبادة الوثنية فى ضوء مطالبة إسرائيل بالولاء التام للرب ، ولاءً يشبه ذاك الذى كانت تنص عليه عهود السيادة التى كانت تعقد بين سكان الشرق الأوسط قديماً ، فكما كان المُنْعَمُ عليه ، مطالباً بالولاء التام لولىّ نعمته ، هكذا كانت إسرائيل فى عهدها مع الرب مطالبة بالولاء التام له ، لذلك كانت عبادة آلهة غريبة تعتبر عملاً من أعمال التمرد والعصيان ، لأنها تدل على إنكار سلطان الله والتنكر لحقّه فى السيادة .
ويمكن الإشارة إلى متشابهات مثيرة بين عهد الرب مع إسرائيل والعهود التى كانت تعقد فى الشرق الأدنى بين السادة ورعاياهم ، فالرعية كانت تُحذَّر حتى من مجرد الإصغاء إلى كلمة واحدة شريرة تقال ضد سيدها الإقطاعى ، كما كانت مطالبة بالإبلاغ عن أى مؤامرات تُدَبَّر أو تُحاك ضد الملك ( السيد الأعلى ) أو أى إساءة تُوَجَّه إليه ، كما كان مطلوباً منها أن تقاوم وتحتمل كل مَنْ يتمرد بقوة السلاح إذا لزم الأمر . وعلى الدوام كان على هؤلاء الرعايا أن يبدوا ولاءً تاماً لسادتهم ، وهذه العقود المدنية تقدم لنا خلفية خلابه للفصل الذى أمامنا .