تفسير الإصحاح ١٠ من سفر التثنية — ص ١٩٠
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
ليس هو مجرد الأعمال الخلاصية العظيمة التى عملها الله لصالح إسرائيل وليس فقط بسبب الخير الذى تجلبه لإسرائيل طاعتها لله . لا ، إن السبب الحقيقى أعمق من هذا بكثير إذ كان على إسرائيل أن تحب الرب ، لأنه هو – له كل المجد – قد أحبها قبلاً . وهنا نقف أمام صورة بالغة الروعة ، فها هوذا الله ، بكل عظمته وجلاله وجبروته الذى له السماء والأرض . والمفارقة بينه وبين إسرائيل مذهلة ومع ذلك فهو أحب إسرائيل رغم جميع ما فيها من نقائص وعيوب مُنَفّرة . وما أروع التعبيرات التي تصور عظمة الله وجلاله قمة في الابداع ، فإن القول ( سماء السموات ) أى السماء العليا تشمل كل ما فى السماء من معانى ، فإن الله ليس له السماء فقط بل أعلى السموات وأيضا الأرض بكل ما فيها – لذلك فإن الله ليس محتاجاً إلى شيء ما . إله بمثل هذه العظمة وهذا الجلال ، إن شاء أن يتخذ من الأمم رفيقاً فله أن يختار أمة عظيمة وقوية كما هو متوقع منه وهو « ساكن الأبد » ( إش ٥٧ : ١٥ ) ، « الذى له البهائم على الجبال الألوف » ( مز ٥٠ : ١٠ ) ، والذى تُحسب « الأمم قدامه كنقطة من دلو » ( إش ٤٠ : ١٥ ) ، هذا الإله ، وياللعجب قد أحب إسرائيل أكثر من الآخرين ، هنا سِرٌّ عميق وعظيم . لهذا السبب وليس لأى سبب آخر سواه يجب على إسرائيل أن تستجيب لدعوة الرب لها ، فتحبه وتتقيه . لقد أحب الله الآباء ، واختار أبناءهم من بعدهم وبالأخص هؤلاء الأبناء الذين كانوا يقفون أمامه هناك فى ذلك اليوم ( قارن ٧ : ٦ – ١١ ) . وهذا ما توضحه لغوياً الأداة المستخدمة فى العبارة ... « فاختار من بعدهم نسلهم الذى هو أنتم فوق جميع الشعوب » ، مما يظهر التناقض القوى والواضح بين جماعة صغيرة من البشر وباقى الأمم والشعوب الأخرى التي يعج بها هذا الكون الفسيح ، والتصق بهم ليحبهم وحدهم ، والفعل المستخدم يفيد أنه انجذب إليهم أو وَجَدَ فيهم مَسَرَّة قلبه . أما لماذا اختار الله الآباء بالذات ليحبهم فهذا ما سيظل مدى الدهور السِرُّ المكنون فى فكر الله . وهذا يذكر المسيحى لأول وهلة بالفقرات العديدة التى جاءت فى العهد الجديد عن محبة الله لأولاده ، وبوجه خاص ، محبة المسيح ، لجماعة المؤمنين الذين افتداهم بدمه الثمين ، هذه المحبة التى يركز عليها كثيراً ( يو ٣ : ١٦ و ١٣ : ١ ، غلا ٢ : ٢٠ ، أف ٢ : ٤ ، ٥ : ٢ و ٢٥ ، ٢ تس ٢ : ١٦ ، ١ يو ٤ : ١٠ و ١١ ، رؤ ١ : ٥ ) .
وإنه لمن الأهمية بمكان أن يدرك المسيحى أن الكنيسة المسيحية فى العهد الجديد ينظر