تفسير الإصحاح ٦ من سفر التثنية — ص ١٥٧
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
عدد ٥ : « فتحب الرب إلهك » فطاعة إسرائيل يجب أن تكون وليدة علاقة محبة بينها وبين إلهها ، وليس مجرد التزام شرعى تمليه الضرورة والواجب . وإنه لمن الشائق أن بعض عهود الشرق الأوسط القديم كانت تستخدم كلمة للتعبير عن علاقة المُنْعَم عليه ، بَوَلِيّ نعمته ، وهى علاقة محبة . والاستخدام المقابل لكلمة « محبة » في اللغة العبرية نجده في سفر الملوك الأول ٥ : ١ حيث نقرأ أن ( حيرام كان محبًّا لداود كل الأيام ) ، من هذا نرى أنه حتى في العهود المدنية ، أحس الناس بحاجتهم إلى رابطة أقوى من مجرد الالتزام الشرعى . وأيًّا كان الحال فإن « المحبة » في الكتاب المقدس لها دلالة أكثر عُمقاً .
فهوشع النبى يستخدم هذا الفعل لتوضيح العاطفة الجياشة التي يكنها الله في قلبه تجاه إسرائيل ، مستخدماً أمثلة قوية مستمدة من الحياة العائلية ، هي الرباط الذي يربط بين الزوج وزوجته ( هو ٣ : ١ ) ، والابن بأبيه ( هو ١١ : ١ ) . وبنفس القياس على الإنسان أن يحب الله حُبّاً جَمّاً بكل قلبه وجوارحه . على إسرائيل أن تحب الرب إلهها بكل كيانها ، والقول .. « من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك » ، من التعبيرات المألوفة والمحببة في سفر التثنية ( ٤ : ٢٩ ، ١٠ : ١٢ ، ١١ : ١٣ ، ١٣ : ٣ ، ٢٦ : ١٦ ، ٣٠ : ٢ و ٦ و ١٠ ) . وهو يلقى بعض الضوء على نفسية العبرانيين الأقدمين ، فالقلب بالنسبة لهم كان مركز التفكير والإرادة ، بقدر كونه مركزاً لعدد لا يُحصَى من العواطف البشرية . أما النفس فمن الصعب تحديد ماهيتها أو المقصود بها، لكن يبدو أنها هنا تشير إلى مصدر الحياة والحيوية، لا بل وحتى وجود الشخص ذاته .
وفى سفر التكوين ٢ : ٧ و١٩ يوصف الناس والبهائم بأنها ( أنفس حَيَّة ) . وبين النفس والقلب ينبغى أن تسكن محبة الرب ، وهذا يعنى أن الإنسان يجب أن يحب الرب دون أى تحفظ وبلا أى حدود ، ولإضفاء أهمية أكثر على هذا المطلب ، أُضيف القول « من كل قدرتك » ، أو إن شئت فقل « من كل قوتك » ، ويضيف العهد الجديد عبارة أخرى ( من كل فكرك — مر ١٢ : ٣٠ ، لو ١٠ : ٢٧ ) .
عدد ٦ : هنا يعلن الله أن وصاياه ، ينبغى أن يضعها الإنسان « على قلبه » فهى ليست مجرد كلمات مكتوبة على لوحين من حجر ( قارن ١١ : ١٨ مع إر ٣١ : ٣٣ ) ، وما أروع أن نقارن ما جاء هنا بما نجده في العهد الجديد . فحفظ وصايا المسيح هي المَحَكُّ الذي به تُخْتَبر محبة الإنسان له ، وهذا هو ما أعلنه بنفسه عندما قال ..