سراج الكلمة
‹الإصحاح ١٢ · ج أ طومسون
سفر التثنية - التفسير الحديث للكتاب المقدس · الإصحاح ١٢ · صفحة ٢١٣

تفسير الإصحاح ١٢ من سفر التثنية — ص ٢١٣

تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس


لذا كان من الطبيعى أن يأمر « موسى » الشعب بتخريب تلك الأماكن ، إلا أن تنفيذ هذا الأمر تطلَّب بعض الوقت إلى أن تستكمل إسرائيل حكم أرض الموعد . وعندئذ يصبح من الممكن تحول المثالية إلى إمكانية ، وعندما توفرت لإسرائيل القوة اللازمة لتحقيق هذه الإمكانية ، كانت إرادتهم قد ضعفت لدرجة أنهم خالفوا وصية « موسى » فأبقوا بعضاً من تلك الأماكن ، وقد قامت عدة محاولات للإصلاح على يد « آسا » ( ١ مل ١٥ : ١١ – ١٤ ) ، و « حزقيا » ( ٢ مل ١٨ : ٣ و ٤ ) ، و « يوشيا » ( ٢ مل ٢٣ : ٤ – ٢٥ ، ٢ أخ ٣٤ : ٣ – ٧ ) ، والأخير وحده – « يوشيا » – هو الذى حقق قدراً كبيراً من النجاح فى منطقة حكمه إبان حياته ، لكن بعد موته عادت العبادة الوثنية إلى الظهور ، كما يتضح من نبوات كلّ من « إرميا » و « حزقيال » .

وقد كشفت الحفريات الحديثة عن طبيعة بعض الأشياء التي ذكرت في هذه الأعداد . فالمذابح شبيهة بتلك الموصوفة في خر ٢٠ : ٢٥ و ٢٦ . أما الانصاب فكانت عبارة عن أعمدة حجرية تنصب بجوار المذابح في مقادس الكنعانيين ، وربما كانت ترمز للإله ( بعل ) . أما السوارى فكانت رموزاً للآلهة الأم ( عشتار ) . وواضح أنها كانت تصنع من الخشب حيث كان يمكن قطعها وحرقها . كما وجدت في تلك المعابد حفر توضع فيها الأعمدة الخشبية لكنها خالية . أما الأشكال المنحوتة فيحتمل أنها كانت من حجر ، وكان من الممكن نزعها من على الجدران ، ونتيجة لإزالة هذه الرموز الطقسية ، كان يتعذر على الكنعانيين الاتصال بآلهتهم ، كما كان من الممكن بمرور الزمن أن ينسوها فتختفى أسماؤها من الأماكن التى كانت تُعبَدُ فيها .

عدد ٤ : والقول .. « لا تفعلوا هكذا للرب إلهكم » ، غامض إلى حدٍّ ما . لكن رُبَّما كان المقصود هو ، أن الرب ليس مرتبطاً بأماكن عبادة الآلهة الأخرى ، بل هو حر فى اختيار مكان عبادته . ولهذا اختلفت عبادة الله عن عبادة « البعليم » سواء فى مكان أو طريقة القيام بها ( قارن ٥ و ٣٠ ) . ويرى بعض المفسرين في هذا احتجاجاً على عبادة الرب فى أماكن كثيرة ، كما يفعل الكنعانيون لتوضيح الاختلاف القائم بين تعدُّد المذابح ووجود مذبح واحد . إن المطلوب من بني إسرائيل ألّا يقيموا مذابح متعددة أو يقدموا ذبائحهم فى أماكن يختارونها بأنفسهم ، وإنما فى المكان الذى يختاره الرب لنفسه ، كما يُفهم من عدد (٥) وما بعده ، وليس كما يفعل الكنعانيون الذين كانوا يختارون بأنفسهم أماكن المذابح التى يقيمونها لآلهة الطبيعة في الأماكن التي يعتقدون أنهم يستطيعون بها تمييز وجه آلهتهم .