تفسير الإصحاح ٩ من سفر التثنية — ص ١٧٨
تفسير سفر التثنية - العهد القديم من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
هنا نجد أمامنا كلمة كبيرة « بِرّ » ، وهى بحسب ما رأينا فى ٦ : ٢١ - ٢٥ ، تعنى .. « ما هو حق » ، « النَّمُوذَج » أو « المثال » ، أو « ما هو طبيعى » . وهناك دون شك « ما هو حق للرب » ، و « ما هو حق للبشر » . وفى مجال القانون ، كل من تثبت براءته بعد اتهام ، يُعلَنُ أنه فى جانب الحق والصواب ، أما الذى ثبت أنه مذنب ، فيُعلَنُ أنه « مخطىء » .
وفى اتجاهه النشيط لتصحيح الأوضاع يقود الله شعبه فى هذه الحرب المقدسة . وعندما يتحقق النصر لإسرائيل ويتم احتلال الأرض ، لن يكون من حقها أن تَدَّعى أنها كانت فى جانب الحق والصواب ، ولذلك أعطاها الرب هذا النصر مكافأة لها على بِرّها وصوابها ، لأنها كانت فعلاً بعيدة كل البعد عن البر والاستقامة ( قارن عدد ٦ ) . ولم يكن هناك مجال لكى تتشدق إسرائيل بالحديث عن حقوق لها . فللرب مقاصده التى سيحققها ، وبتحقيقه لهذه المقاصد ، سوف يثبت برّه وصدقه هو ، وهو بطبيعته بار ، وفى جانب الحق والصواب على الدوام ، وهو الذى يضع الأمور فى هذا العالم - الذى هو بالطبع عالمه - فى إطارها الصحيح ، ولتحقيق هذا الأمر ، فإنه باعتباره الإله البار والذى له وحده الحق الأوحد ، قد يستخدم أشخاصاً ينوبون عنه فى تحقيق هذه المقاصد ، كما استخدم إسرائيل فى إيقاع الدينونة على أولئك الأشرار الذين حادوا عن الصواب ، وكانت هذه الدينونة تعبيراً عن غضب الله وغيرته ، وهما من دلائل بِرِّه . وهكذا كان الرب على حق عندما كان يعمل فى هذه الحرب المقدسة ضد الكنعانيين .
العددان ٤ ( ب ) و ٥ : كان هناك عاملان فاعلان فى هذه الحرب المقدسة ، وهما بِرّ الله ، وشر الكنعانيين . وما كان يُخَبِّئُه المستقبل لإسرائيل كان بين يدى الله . وطالما أنه قد تم اختيارها أداة يحقق الله بواسطتها مقاصده ، فلابد وأن يكون النصر حليفها .
على أية حال الله هو السيد والحاكم المطلق لهذا العالم ، وهو وحده الذى من حقه أن يختار الأداة التى يستخدمها حتى أنه يمكن أن يختار أحياناً واحدة من هذه الأمم الشريرة لتحقيق مقاصده ، كما حدث عندما اختار أشور فى إش ١٠ : ٥ و ١٣ و ١٥ ، وبابل فى إر ٢٥ : ٢٩ ، ٢٧ : ٦ ، وفارس فى إش ٤٤ : ٢٨ ، ٤٥ : ١ - ٦ .
والسببان المذكوران هنا ، لتبرير غزو كنعان ، هما .. « إثم أولئك الشعوب » ( قارن تك ١٥ : ١٦ ) .. « لكى يفى بالكلام الذى أقسم الرب عليه لآبائك » .