سراج الكلمة
‹صفحة ١٨٠ · العلامة أوريجينوس
تفسير إنجيل يوحنا للعلامة أوريجينوس - الجزء الاول · صفحة ١٨٠

تفسير إنجيل يوحنا للعلامة أوريجينوس - الجزء الاول

القسم: كيف يكون المسيح، وكيف يكون تلاميذه نورًا للعالم؟

كتاب تفسير إنجيل يوحنا للعلامة أوريجينوس - الجزء الاول من السلسلة تحت اشراف الانبا اسطفانوس و ترجمة الراهب مكاري البهنساوي دير العذراء و الملاك ميخائيل - البهنسا


فليس كل ما هو معقولٌ يكون هو الشئ أو الأمر الصحيح. ومع ذلك، وبالرغم من أن الشئ المعقول يختلف عن الشئ الحقيقى، إلا أن هذا لا يعنى أنَّ هذا المعقول زائف أو خاطئ، لأن كل ما هو معقولٌ قد يكون له تشابه مع العقل، ومن هنا فإنَّهُ ليس كل ما هو غير صحيح يمكن أن يسمى خطأً٥١٦.


٥١٦ يوضح أوريجينوس من خلال هذا الموضع أنه بالرغم من أنه ليس كل ما يمت للعقل بصلة يُعد صحيحًا إلا أنهُ لا يُمكن انكار أنه لا يُعد أيضًا بمثابة الخطأ الكامل. وذلك لأن كل ما يتم تعقله وإدراكه بالفكر إنما يعزى للعقل الذي ميز الله به الإنسان والذى من خلاله حباه القدرة على الفهم والحُكم والابتكار. وبالرغم من أن الله ميز الإنسان بالعقل الذى له القدرة على الحكم والابتكار والاختراع والتفهم بالنسبة للأمور والأشياء، فإنه ليس كل ما يصدر عن العقل يُعد صحيحًا بنسة كاملة. ولا يُمكن بالمثل اعتباره خطأً بشكل كامل.

فليس من شك أن كافة الاختراعات الإنسانية والابتكارات البشرية على مر الأزمنة والعصور لم تظهر إلى حيز الوجود لتبلغ صورتها النهائية الكاملة، كما بلغتنا، بشكل مفاجئ وسريع وعن طريق تفكير فورى ولمرة واحدة فى كل منها على حدة. لكنها بالطبع مرت بالعديد من الأطوار والمراحل المختلفة. ولعل أنه فى بداية أو فى بعض هذه المراحل والأطوار وبالرغم من تَكَوُّن الفكرة المنشئة للاختراع فى العقل واعتبار المخترع لها وقتئذٍ انها فكرة كاملة وصحيحة، إلا أنه ليس ثمت من ينكر أنَّ هذا المخترع أو ذاك كثيرًا ما اكتشف أن هذه الفكرة وإن جاءت تبعًا لفعل التَّفَكُّر بالعقل إلا أنها لم تكن صحيحة بنسبة كاملة بل ولربما كانت خاطئة. لكن هذا الخطأ لم يمنع أن العقل بالفعل هو مزية الله للإنسان وأن هذا الخطأ لم يكن إلا بمثابة الوسيلة لتحقيق النجاح أو كخطوة أولية فى سبيل تحقيقه. ومن هذا المعنى يوضح العلامة أوريجينوس أنه ليس كل ما يمر بالعقل يكون صحيحًا بنسبة كاملة وأيضًا لا يُمكن اعتباره خاطئًا بنسة كاملة.