تفسير إنجيل يوحنا للعلامة أوريجينوس - الجزء الاول
القسم: المسيح كمن هو الحق
كتاب تفسير إنجيل يوحنا للعلامة أوريجينوس - الجزء الاول من السلسلة تحت اشراف الانبا اسطفانوس و ترجمة الراهب مكاري البهنساوي دير العذراء و الملاك ميخائيل - البهنسا
من هنا فإنَّ كونَهُ الحقَّ هو ما يجعله في تواصل مع كل مخلوق بما يتناسب مع قيمته أو مع استحقاقه ٦٠٠.
فهو بداية الأشياء والخلائق وهو مصدر ومنبع كل المخلوقات وهو أيضًا علة كل وجود. وهكذا بالمثل فهو الغاية التي متى بلغها الإنسان يكون قد أتم وأكمل هدف وجوده على الأرض. وهو الإله الأزلي الذي تنكشف أمامه سائر الأسرار وعمائق الأشياء بكافة تفاصيلها (دا٢: ٢٢) إذ هو جابها وخالقها من العدم. وهو الذي يفحص خفيات وبواطن الإنسان ليدرك أفكاره(مز٤٤: ٢١). ومن هنا ولأنه عله وسبب كل وجود وكل خليقة سواء العاقلة او الغير عاقلة فهو يُعد بمثابة الحق المُطلق.
٦٠٠ يوضح العلامة أوريجينوس بهذا الموضع أنه من منطلق أنَّ السيد المسيح هو خالق كافة المخلوقات، بل وهو أيضًا العلة والمصدر لكافة الأمور وسائر المخلوقات العاقلة وغير العاقلة من تلك التي تنحكم وتنضبط تحت لواء الغريزة التي تقودها خلال حياتها على الأرض، فهو يُعد بمثابة الحق المُطلق لكافة المخلوقات والأشياء. وهكذا فمن منطلق أنه الحق المطلق إذ أنهُ يحكم ويضبط تفاصيل وتكوين وتسلسل حياة كافة الخلائق بسائر أنواعها وفصائلها وقدراتها ونموها، فمن هنا فإن له القدرة للتواصل مع كافة خليقته كل بحسب قيمتها وأولوية تدبيره الإلهي المختص بها.
وليس من شك أنَّهُ للإنسان المرتبة الأولى في هذا التواصل إذ هو أفضل وأجمل مخلوقات الله الذي ارتئ حُسنًا عند خلقته. وبالرغم من الفساد الذي دخل إلى العالم العاقل وإلى كافة الخليقة بسببه (١كو١٥: ٢١)، (رو٨: ٢٢). فإنه لمحبة المسيح الشديدة للبشر (يو٣: ١٦) ارتضى أن يجعل للإنسان تدبيرًا خاصًا ليرده مرة أخرى إلى الفردوس. وكان هذا التدبير من خلال التواصل المستمر مع الإنسان سواء عن طريق الأنبياء والرسائل الإلهية المبهمة بالعهد القديم وأخيرًا من خلال التجسد الواضح القريب من الإنسان في ملء الزمان، وهو ما عبر عنه القديس بولس الرسول في قوله "١ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، ٢ كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ" (عب١: ١-٢).