تفسير الإصحاح ١ من سفر هوشع — ص ٥٣
تفسير سفر هوشع من العهد القديم -سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس
نحن أمام قصة حقيقية تتحدث عن نبي يتألم ويتعلم ويُعلم الكثير عن الألم الذي تحمّله الله الذي خانه شعبه(۱).
إذاً يمكن أن نصف هذه الأقوال بأنها نبوة حدثت فعلاً وليست مجازاً. ولم تتأت قصة هوشع بناء على توجيهات إلهية فحسب (١: ٢، ٣: ١)، بل إن السبب الأساسي لهذا الأمر النبوي، حوته شروحات واضحة لهذه الأوامر (١: ٢ب، ٣: ١ب). وكان على هوشع أن يتصرف نيابةً عن الله وأن يتكلم باسمه أيضاً. وعلى مثال إشعياء (الأصحاح ٢٠ مثلاً)، وإرميا (الأصحاحين ٢٧، ٢٨)، وحزقيال (الأصحاحات ٤، ٥، ١٢: ١-١٦، ٢٤: ١٥-٢٧)، كان هوشع نفسه آية للشعب (انظر إش ٨: ١٨، حزقيال ٢٤: ٢٧)، وكان رمزاً نبوياً لغضب الله الشديد في الدينونة ومحبته الفائقة عند العودة إليه. وهذا معناه أن القصة ليست صورة توضيحية أُخذت من خبرة إنسانية ثم طُبقت كرسالة روحية، بل كانت في الواقع تاريخاً شخصياً حقيقياً دبره الرب، ونَفّذ هوشع فيه مقاصد الله المقدسة بثمن غال تحمله هو شخصياً(۲). وهكذا فالتشديد على إبراز دور الناحية الرمزية في القصة يجب أن يُستكمل بالتنبيه إلى تأثير هذه الأحداث على تقدير هوشع لمعاملات الرب لإسرائيل: ولم يكن بمقدُّور النبي أن يصل إلى حالة من التعاطف مع الوضع الإلهي(۳)، إلا من خلال معايشته في حياته الشخصية ما اختبره زوج إسرائيل الإلهي.
الخط الإرشادي الثاني:
قصة السيرة الذاتية التي رواها صاحبها في الأصحاح الثالث ما هي إلا تكملة للسيرة الذاتية الواردة في الأصحاح الأول. أما سبب النقلة من ضمير الغائب "فذهب وأخذ جومر" (١: ٣) إلى ضمير المتكلم ("فاشتريتها"، ٣: ٢) فقد ضاع في غبار
(۱) انظر ما كتبه هسيكيل Heschel ص٥٣: لملخص عن الحجج الأساسية التي تؤيد تفسيراً حرفياً.
(۲) ارجع لما كتبه وليم لينغ William Leng في استعراض حديث لمعني الأعمال الرمزية بالنسبة للأنبياء العبرانيين في كتابه "الأعمال النبوية في سفر إرميا تندل، ۳۰ (يوليو ١٩٨٥). وإذ يستخدم أفكاراً نيرة لعلماء معاصرين مختصين لعلم الإنسان (انثروبولوجيست) ليوضح النص، انتهي لينج إلي القول بأن الأعمال النبوية لم تكن تتأثر بأعمال سحرية زائفة -بل كانت- سواء طبقت على مستقبل إسرائيل أو ماضيها أو حاضرها- أعمالاً وصفية توضيحية تحوي معاني درامية ناتجة عن مواجهة إسرائيل بإرادة الرب ص ٩-١٠.
(۳) هسكيل ص ٥٦.