تاسعا: غرض النشيد
تاسعاً: غرض النشيد
كل اتجاهات البحث التي سبق إثارتها تركز في الاستفسارات الختامية التالية: ماذا كان قصد الكاتب أو الشخص الذي قام بجمع محتويات النشيد من كتابته في صورته المعترف بها حالياً؟ ... وبالتالي فما هو الغرض الذي يخدمه السفر في مجال الإعلان الكلي للكتاب المقدس؟
إن الإجابة على هذا السؤال المزدوج سوف تشكل إلى درجة كبيرة موقفنا تجاه المشكلات العويصة والمعقدة التي تواجهنا في تفسير هذا السفر الصعب. هناك ثلاثة أنواع من الإجابات تقدم إلينا عادة، فالنشيد قد يكون طقساً دينياً أو تعليمياً تهذيبياً أو احتفالياً أو خليطاً من هذه كلها.
(أ) النشيد كطقس ديني
من الآراء الواسعة الانتشار أن النشيد هو الطبيعة العبرية المنقحة لبعض أنواع الطقوس الدينية الكنعانية أو بلاد ما بين النهرين. والبعض ينسب النشيد لطقوس الخصب المرتبطة بعقيدة الإله (دموزي) Dummuzi (تموز) أو عناتا (عشتار) في بابل أو يذهب البعض عنات في كنعان. والفكرة المحورية فيها هي الاحتفال بالزواج المقدس للإلهة، في شخص الكاهنة والملك. أو الاحتفال بالتتويج ابتهاجاً بانتصار الإله الملك على الموت والقحط، والطقوس العقائدية المرتبطة بذلك هي طقوس جنسية بحتة. ومن الثابت أن هناك عناصر من هذه العبادات كانت موجودة في إسرائيل كما يتضح من قصة المريودة في حزقيال ٨: ١٤ حيث نجد تصويراً لنساء أورشليم "الباكيات على تموز"، ثم الإشارات المتكررة في العهد القديم لعبادة البعل بما فيها من اللقاء المقدس والعبادة على "المرتفعات" وتحت البلوطات المقدسة (ملوك الثاني ٢١: ١-٩، هوشع ٤: ١٢-١٤ ... إلخ).
ويلتقط (بوب) فكرة العبادة الطقسية ولكن في اتجاه مخالف نابع من بعض اقتراحات كرامر Kramer ويقول بشيء من التطويل إن النشيد هو في الواقع احتفال جنائزي، وليس احتفال زواج مقدس أو حفل تتويج، وهو يأخذ ما جاء في (٨: ٦ ب)، كمفتاح للنشيد ويستخدم بعض ما كتب في سجلات الشرق الأوسط قديماً عن بعض المآدب المقامة والمرتبطة بطقوس الدفن. ويقول (بوب) إن ذلك هو السياق الأصلي الصحيح للنشيد والهدف منه هو تعليم المجتمع أن الحب والحياة قويان كالموت(۱).
ومع ذلك فهذا التأكيد أقرب ما يكون إلى الصبر في الظلام. ففي النهاية، على كل شخص أن يواجه بنفسه الموت حتماً، فليس هناك رجاء. "دائم" هنا، وسؤال هوشع في (١٣: ١٤)، لا يجد إجابة في الانتصار الوارد في كورنثوس الأولى (١٥: ٥١-٥٦).
وبالرغم مما يبدو من تأثير واسع الانتشار للرأي الذي يقدمه هؤلاء، الذين ينادون بأن النشيد يرجع للطقوس الوثنية، فالحقيقة تظل ثابتة بأنه لكي نجعل السفر يتفق مع تلك النظرية فالنص يحتاج لكثير من التعديل والتغيير، وإدخال الكثير من العناصر عليه، بينما لا توجد بالنص أدنى إشارة لتلك العناصر الدخيلة.
(ب) النشيد كأداة تعليمية:
يمكن فهم النشيد بصورة أفضل لو اعتبرناه قصيدة تهذيبية. فبما أن كل الكتاب "نافع للتعليم... والتأديب الذي في البر" (٢ تيموثاوس ٣: ١٦) فإن هذا يعطي معنى لكون النشيد أداة تعليمية. ولكن القول بذلك لا يفسر لنا ما هو المفروض أن يعلمنا السفر إياه. فالاتجاهات المجازية والنمطية تفترض أن القصد من النشيد أن يعلمنا شيئاً عن العلاقة بين الله وشعبه، سواء، كان ذلك مصوغاً في عبارات مأخوذة من تاريخ إسرائيل (كان النشيد يُقرأ في عيد الفصح للاحتفال بمحبة الله العظمى).
(۱) بعض ملامح نشيد الأنشاد قد تفهم في ضوء الأدلة المتزايدة بأن الاحتفالات الجنائزية في الشرق الأوسط قديماً كانت تعد طقساً للحب يحتفل فيها بالخمر والنساء والأناشيد... وهذا الاتجاه يمكن أن يفسِّر سفر نشيد الأنشاد "أفضل من أي شيء آخر، ويمكن أن يصنِّف ضمن الأناشيد الأخرى من التفسير كعناصر مكونة للحقيقة، وارتباط السفر بالاحتفالات الجنائزية كتعبير عن أعمق وأوثق الصلات وأكثرها دراماً بين الحياة والحب، في مواجهة الموت كحقيقة ثابتة بصفي فكراً جديداً وتقديراً لأسلافنا الوثنيين الذين كان رد فعلهم تجاه الموت القيام بظاهرة ضخمة تؤكد على قوة وثبات الحياة والحب لأن "المجد قوة كالموت".
۳۳