سادسا: النشيد كقصيدة للحب
coptic-books.blogspot.com
مضطراً أن يتعمق ويتوسع في استخدام عدة طرق للتلاعب بالكلمات والأفكار لكي يعيد صياغة إيقاع أو نغم ذي سجع بلغة متنافرة أو غير مترابطة.
سادساً: النشيد كقصيدة للحب
إن نشيد الأنشاد نموذج لطراز من قصائد الحب في كل العالم، وعالم العهد القديم يقدم أمثلة عديدة لهذا النوع من القصائد(١). وهي من نماذج مختلفة ومن أماكن متفرقة ولكن تجمع بينها عناصر معينة مشتركة أو لغة خاصة (topoi)(٢).
وتلك العناصر المشتركة تتضمن ما يأتي على الأقل:
١- عندما يوجه الخطاب لطرف ثالث أو يكون هذا الطرف موجوداً تستعمل صيغة الشخص الثالث ولكن جوهر الخطاب يكون في صيغة التخاطب "أنا" و"أنت" (نشيد الأنشاد ١:٨-٢)، وباستخدام (you) في اللغة الإنجليزية الحديثة سواء للمفرد أو الجماعة لا يتضح هذا الفارق ولكنه يتضح عند استعمال هذا النمط في اللغة الفرنسية. فكلمة (vous) أي (أنتم) كلمة رسمية (كما في الجمع) بينما في المفرد فإن كلمة (tu) تستخدم في توجيه الخطاب لأفراد العائلة أو الأصدقاء المقربين.
٢- الموضوع المشترك المعبر عنه بكافة الطرق هو الفرح والإثارة التي يجدها المحبون في وجودهم معاً (٤:٣، ٧، ٧-١٢). وتلك المقابلات غالباً ما يعوقها وجود شخص آخر – الأم، العائلة، الإخوة، الأصدقاء، أو السلطات.. إلخ (١:٦، ٥:٧)، أو بسبب طارئ، خارجي – كبعد المسافة والطقس أو الحوادث.. إلخ. ولكن تلك الأحداث ما هي إلا غلالة رقيقة تصلح لتأكيد فرحة العودة إلى التلاقي، أما موضوع البحث والتوصل إلى الحبيب (٣:١-٥) أو حافز التغلب على الخطر (١:٨-٥) فهي أمثلة شائعة لهذا الشكل من النمو.
٣- الأوصاف المستفيضة للجمال المادي للمحبوب المغلفة غالباً بعبارات غزلية رفيعة المستوى من العناصر المألوفة، ويرتبط بها عادة عدة تشبيهات بأشكال الطيور والحيوانات والزهور والملابس والعطور والجواهر... إلخ. والصيغة البسيطة في (تكوين ٢٣:٢)، والاستعارات المتوفرة في النشيد (٤:١-١٥ و ٥:١٠-١٦) أمثلة جيدة للإمكانيات العديدة المتصلة بهذا الموضوع.
٤- حيث أن الارتباط والألفة الجسدية هي الهدف، فغرفة النوم (٢:٨) أو أي منطقة منعزلة في الكروم أو المغاير من الأشياء، التي يتردد ذكرها كثيراً (٧:١٢).
٥- الأوصاف المتعلقة بمباهج النظر (٤:٩) والسمع لصوت الحبيب (٨:٢) ولمسه (٧:٨) وشمه (٢:١) وتذوقه (٧:٩) والتعلق به وتدليله (٦:٢).. إلخ والتي تؤدي في النهاية للالتقاء الجسدي الكامل (٧:١٢) كل تلك سمات شائعة لهذا النوع من الأدب.
(١) إحدى المشاكل المثيرة التي تحتاج لخبرتنا هي أنه لا تزال باقية حتى الآن تكاد تكون مرتبطة تماماً بطقوس عقيدة الخصب للبعل (بعل / إناثا Dumuzi/ Inanna) أو بالدموزي / إنانا (Dumuzi/ Inanna) حتى أن فصل عناصر الحب عن العناصر الطقسية يعتبر من المستحيلات، ومع ذلك، فمن الناحية الإيجابية نجد أن هذا الارتباط المتين يوحي بأن "لفظ" الغزل وتعبيرات الحب المستخدمة في مواقف لا طقسية لا يختلف عن هذا الاتجاه المعترف به.
(٢) كلمة (topoi) وجمعها (topos) عبارة عن فكرة أو عبارة خاصة ككنية أو لقب أو تعبير كثير التداول في التقليد الأدبي، والكلمة يونانية الأصل واستعمالها يدل على مكان معين يمكن من خلاله رؤية منظر أو بانوراما معينة. وفي الدراسات الأدبية فهي توحي بمفهوم توصي بتقليد أدبي ثري لا يحتاج للتعبير عنه بالكلمات ولكنه يعطي ألواناً لمفاهيم العبارة، ومثل تلك التعبيرات هي أنماط بلاغية عامة قد تستخدم كقوالب للتراكيب الأدبية الجديدة، وليس القصد منها عادة أن تفهم حرفياً بل كعبارة تقليدية، ومن الأمثلة على ذلك: "بحر النبيذ الأسود" لهوميروس، و "روما المدينة الأبدية" و "أورشليم الذهبية" و "اللعرفة"، وهي تعبيرات تعطي للكلمات معان أكثر جداً عن معانيها الأصلية فهي شفرات لشيء أعظم. وكلمة (topos) بالطبع ليست كلمة جامدة بل أنها تتغير وتنمو حيث أنها تستخدم في الأدب وكل مؤلف وكل مجتمع يضيف إليها عناصر فريدة للموضوع ككل.
٢٥
christian-lib.com