التحليل
coptic-books.blogspot.com
الآخرون الذين يتمسكون بتفسير العاشق الملكي لا يرون سوى صورة رجل واحد ألا وهو الملك سليمان نفسه وهو العاشق أيضاً. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاسم "داود" (بالعبرية Dawid) مشتق من نفس الأصل العربي (dodi) (حبيب)، وفي النص القديم الساكن كانت الكلمتان تكتبان بنفس الشكل (dwd)، وهنا يمكن أن نقول إنه إذا كان النشيد عبارة عن نشيد زفاف ملكي، فهل يكون الملك المشار إليه هو داود وليس سليمان؟ فالملك داود قد يكون هو الملك "المحبوب" وهو نفسه العاشق في النشيد.
والرأي الثاني فهم النشيد كله مجازياً واعتبار أن الحبيب هو إما الرب (لليهود) أو المسيح (للمسيحيين). وهناك دليل على أن كلمة (dod) قد استخدمت في الشرق الأوسط القديم كاسم إلهي أو على الأقل ككلمة وصفية تطلق على اسم إله، وهذا قد يوحي بأن إطلاق كلمة (حبيب) على الله أو المسيح في محله، وقد تحولت عدة ألقاب أخرى في الشرق الأوسط بنفس الطريقة.
أما الاختيار الثالث فهو التعرف على الكلمة بمعناها البسيط (حبيب) دون أي ارتباطات ملكية أو إلهية. وهذا اللقب يركز على العلاقة الإنسانية بين رجل وامرأة.
د - الخمر
توجد عدة مترادفات في العبرية والآرامية لكلمة (خمر) في العهد القديم. ومع أنه لا يوجد فرق واضح ومحدد فيما بينها إلا أن هناك عدة أنواع مختلفة مذكورة، فباستثناء الكلمات غير المألوفة مثل كلمة (h’mar) أي (النبيذ الأحمر) وكلمة (Sobe’) أي (المسكر) وكلمة (enab) أي (عصير العنب)، هناك كلمتان تستحقان أن نتوقف أمامهما هنا.
الكلمة الأكثر شيوعاً هي كلمة (yayin) والتي تطلق على عصير العنب المتخمر والذي قد يكون أحياناً عصير فواكه أخرى. ولقد كان المشروب الشائع الاستعمال في الشرق الأوسط قديماً، والكلمة الأخرى هي (Sekar) والمترجمة عادة "شراب مسكر" وتستخدم عادة بالارتباط مع كلمة (yayin).
ولا تشير أياً من هاتين الكلمتين إلى المسكرات القوية المقطرة التي نطلق عليها اليوم لفظ "المسكر" أو المشروبات الروحية، ومع أن عملية التقطير كانت معروفة من أقدم العصور وكانت شائعة في الواقع في بلدان الشرق الأقصى، إلا أنه لا يوجد دليل على انتشار واسع لهذه المشروبات في المنطقة التي تشمل مصر وفلسطين وبلاد ما بين النهرين، أما المشروبات الشائعة في تلك المنطقة فكانت عبارة عن البيرة أو النبيذ المختمر، ومع ذلك فالبيرة لم تكن تصنَّع في إسرائيل ربما بسبب ندرة الحبوب هناك.
وفي الأدب اليهودي قيل إن الخمر كانت تخفف عادة بنسبة جزئين من الماء إلى جزء واحد من الخمر، وفي مناسبة عيد الفصح كان الخمر يخفف بنسبة ثلاثة أجزاء من الماء إلى جزء واحد فقط من الخمر، وكل جزء من هذه الأجزاء المخففة كان يطلق عليها لفظ (yayin) فإذا كانت النسبة واحد إلى واحد كان المزيج الناتج يطلق عليه لفظ (Sekar) أي (خمر قوي)، وطبقاً لأحد السجلات التاريخية كان شرب الخمر الغير مخفف يعد نوعاً من الهمجية.
ويعرف العهد القديم بما كان شائعاً في كل أنحاء الشرق الأوسط قديماً بأن الخمر لعبت دوراً هاماً في مختلف أنواع الاحتفالات، كحفلات الزواج وعقد الصلح وصنع الشمل والولائم والمناسبات الدينية... إلخ. ولكنه يذكرنا دائماً بمخاطر الانغماس في الشراب، ولم يكن شرب الخمر يراعي دائماً في المناسبات العامة. وهناك إشارات متكررة لوضع الخمر في أماكن التلاقي بين الرجل والمرأة. والصورة المرسومة في أمثال ٥:٢،٩ تقدم تأكيداً إيجابياً على هذه العلاقة، ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن: "المرأة الجاهلة" في أمثال ٩: ١٣-١٨ لا تستخدم الخمر في محاولتها للإيقاع بفريستها، والارتباط بين الخمر والجنس مشهود له، كما تُذكر النار في أحيان كثيرة كعنصر للتَّلف في هذا اللقاء(۱).
(۱) يتكلم هـ. كوهين H. Cohen في كتابه "شيب نوج للخمر" عن عدة عصور من الأدب الإغريقي والمصري والعبري ليوضح الصلة بين النار والخمر والجنس في الشرق الأوسط قديماً. ويذكر أن استخدام الخمر كمشروب مثير لنار الغريزة الجنسية كان عنصراً ضرورياً لاستمرار سباق الإنجاب والتكاثر (انظر تكوين ٩:١٩ و ٢٤-٢١، ١٩: ٣٠-٣١).
٤٣
christian-lib.com