خامسا: النشيد كأسلوب شعري
coptic-books.blogspot.com
وجدير بالملاحظة أن أوثق روابط المعرفة مع شخص آخر ليست مبنية على أساس التبادل الفكري ومناقشة الأفكار اللاهوتية بل في الاتحاد الجسدي الوثيق بين ذكر وأنثى (١).
وفي ضوء هذا لا يجب أن نعتبر أنه من العيب أن يخصص سفراً واحداً على الأقل من الكتاب المقدس للاحتفاء، بحقيقة من الحقائق الجوهرية في طبيعتنا وخليقتنا فالسفر يحتفي بكرامة ونقاء الحب البشري، تلك حقيقة لم تنل حقها من التركيز دائماً. والسفر لذلك تهديبى وأخلاقي في هدفه وهو يأتي إلينا في عالم الخطيئة هذا حيث الشهوة والهوى يحيطان بنا من كل جانب وحيث تواجهنا تجارب عنيفة تحاول أن تبعدنا عن (مثال) الزواج المقدس المعطي لنا من الله، وهو يذكرنا بطريقة غاية في الجمال بمقدار نبل ونقاء الحب الصادق. وهناك فقرات أخرى عديدة نجد فيها تحديداً واضحاً للعلاقة بين الرب وإسرائيل، وبين المسيح والكنيسة. وليس من الضروري بالنسبة لتلك التعاليم أن يفسر السفر أيضاً بهذه الطريقة، ولكن إذا فهمنا النشيد أساساً في ضوء تلك التعاليم فقط يفوتنا تعليم الكتاب الواضح الذي سوف يساعدنا في التعامل بفاعلية مع الطبيعة التي جبلنا الله عليها.
خامساً: سفر النشيد كأسلوب شعري
إن النشيد شعري شكلاً كالكثير من الأجزاء الأخرى في العهد القديم، فالمزامير والأمثال ومعظم سفر أيوب (٣: ٢-٤٢: ٦)، ومعظم سفر إشعياء، وأجزاء كبيرة من سفر إرميا ومعظم الأنبياء الصغار ما عدا سفر يونان وحجي وملاخي وعدة إصحاحات متفرقة أو وحدات في الأسفار الأخرى، كل هذه مكتوبة شعراً.
وقد بذل جهد كبير في هذا المجال ابتداء مما نشر سنة ١٧٥٣ باللاتينية (الترجمة الإنجليزية ١٨٢٩) محاضرات (روبرت لوث Robert Lowth) عن "شعر العبرانيين المقدس" مروراً بالعديد من المؤلفات حتى الوقت الحاضر، وبينما توجد العديد من المعالجات المختلفة لهذا الأدب والعديد من الآراء حول الكثير من التفاصيل، إلا أن هناك اتفاقاً عاماً على أن طبيعة اللغة العبرية أساساً (وشعر الشرق الأوسط القديم عموماً) هو ما يسمى (بالتوازي parallelism) وأن أكثر ما يميز هذا الشعر من ملامح رئيسية هو بعض الأنماط الشبه منتظمة للمقاطع في أي زوج من السطور (٢)، والتوازي يمكن أن يعتبر وحدة فكرية إيقاعية أكثر منه وحدة إيقاعية حرفية مبنية على الكلمة.
وهذا الإيقاع الفكري قد يتضمن تكراراً لفكرة (مثل ما جاء في نشيد ٢: ٨/ب) "ظافراً على الجبال قافزاً على التلال"، وقد يتضمن تضاداً للفكرة أو معكوساً لها في سطر لاحق (مثل ما جاء في نشيد ١: ٦/جـ) "جعلوني ناطورة الكروم. أما كرمي فلم أنظره"، أو قد يكون بإضافة فكرة مشتقة من نفسها لفكرة في الجزء التالي (مثل نشيد ٢: ٦) "شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني".
وتوجد عدة اختلافات عن تلك الأنماط الرئيسية، ولكن العناصر الأساسية موجودة في جميعها. وإحدى النتائج الهامة المترتبة على هذا الشكل الشعري هي أنه يسمح بترجمة الأفكار والتركيب الشعري إلى لغات عديدة بحيث لا يكون المترجم
(۱) يقول ت. هوارد T. Howard هنا سخرية حادة: "فها نحن بكل ما لدينا من مفاهيم سامية عن أنفسنا باعتبارنا كائنات عاقلة وروحية- فإن أعمق درجات المعرفة بالنسبة لنا هي ببساطة عملية لاتصال الجسدي بين الشخصين. انظر إلى ما يفعله اثنان من أفراد الجنس البشري العاقل المخلوق على شبه الله، عندما يصلا إلى ذروة الشركة بينهما: ماذا يفعلان؟... أيفكران، أم يهيمان في دنيا الخيال أم يتأملان... لا... كل ما يفعلانه هو أن يخلعا ثيابهما... ترى هل هما يريدان أن يوحدا تفكيرهما معاً؟ لا... فإن السخرية المريرة تتركز في أن بحثهما عن الاتحاد بشدهما إلى الجساء أبعد ما يكون عما في أفكارهما" (ت. هوارد في كتابه "ليتقدس هذا البيت").
(۲) يقول (ستيوارت Stuart) إن العدد الدقيق للمقاطع في أي بيت شعر عبري ليس أمراً مهماً، بل الأمر الأهم هو الطول النسبي للشطرة الشعرية، (الشطرة المؤلفة من ٨) مقاطع تعتبر طويلة نسبياً وأعطيت رمز (أ) - والشطرة المؤلفة من (٣-٥) مقاطع تعتبر قصيرة نسبياً وقد أعطيت رمز (ب)- أما تلك التي تحتوي على ٦ أو ٧ مقاطع فهي تعتبر من فئة (أ) إذا جاءت في سياق شطرات طويلة، كما تعتبر من فئة (ب) إذا جاءت في سياق شطرات قصيرة... والثنائيات (أو الثلاثيات) -انظر التعليق على نش ١: ٢- إما أن تظهر موزونة (أي أ- ب) أو غير موزونة (مثل ب: أ أو أ: ي).
٢٤
christian-lib.com