سراج الكلمة
‹صفحة ١٣ · القس ج لويد كار
تفسير نشيد الانشاد - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٣

مقدمة الكتاب

القسم: اولا: مكان السفر في السجل المقدس


coptic-books.blogspot.com

المقدمة

من بين أسفار الكتاب المقدس يعد سفر نشيد الأنشاد واحداً من أصغرها حجماً وأكثرها شهرة، وذلك أكثرها صعوبة، ومع ذلك أكثرها شهرة لدى كل من اليهود والمسيحيين على السواء. وقد تم على مدى قرون طويلة من الزمن كتابة مئات الكتب والتعليقات على هذا السفر. وقام الوعاظ باستخدام ١١٧ عدداً التي يحتويها السفر في التبشير بعظات لا حصر لها. وقد جذب السفر انتباه جهابذة الفكر وأعظم الشخصيات الروحية على صعيد الإيمان. وبالرغم من بساطته الظاهرية إلا أنه يبرز كثيراً من الصعوبات الكبرى في التفسير، ولهذا السبب فمن الأهمية بمكان تركيز الانتباه على ما جاء، بهذا السفر في هذه المقدمة الطويلة. وهذا التعليق ليس مجرد شرح قصد به ملء فراغ، ولكنه ضروري لفهم المشكلات التي يثيرها السفر حيث أنها تتعلق بفهم التعليق على كل عدد في السفر على حدة، ولا يصح كذلك قراءة التعليق منفرداً بل يجب الاهتمام المنظم بالمقارنة مع بقية أسفار الكتاب.

أولاً: مكان السفر في السجل المقدس

إن نشيد الأنشاد جزء من القسم الثالث من الكتاب المقدس باللغة العبرية ألا وهو (الكتوبيم) أو "الكتب" (Ktubim بالعبرية)، وهي تحوي مجموعة متنوعة تشمل عدة أسفار كنبؤة دانيال والأسفار التاريخية كأخبار الأيام وسفر عزرا ونحميا، والأسفار الشعرية أي سفر أيوب والمزامير والأمثال وما يسمى بالسجلات الخمسة (mgillot بالعبرية) وهي أسفار نشيد الأنشاد وراعوث والمراثي والجامعة وأستير، والتي كانت تقرأ أمام الجمهور في الأعياد العبرية الكبرى(١).

ومن بين تلك الأسفار كان سفر أيوب والأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد وبعض المزامير وكلها تسمى (بالحكمة). و"الحكمة" أسلوب أدبي كان شائعاً في الشرق الأوسط قديماً، ويتميز بخواص متشابهة في كل نقطة على مدى عصور مختلفة. ومع أن هناك العديد من التعاريف له، إلا أن أبسطها جميعاً، هو أن الحكمة هي أقرب ما تكون إلى "الفلسفة" التي كانت سائدة لدى الشعوب القديمة. ومع أن "الحكمة" لم تكن مقدمة في شكل مقالات أو نبذ فلسفية جيدة التركيب كتلك التي تميز بها قدماء اليونان، إلا أن أكثر الآداب شيوعاً في الشرق الأوسط قديماً كان يتعامل مع نفس المشكلات الفلسفية الأساسية: من أين أتيت؟ وإلى أين أذهب؟ ما معنى الحياة؟ كيف نُظِّمَ الكون؟ هل هناك حياة بعد الموت؟ هل يمكن أن أعرف الله؟ وكيف؟ فيم الحياة بحماسها؟ ما هي طبيعة المحبة؟... إلخ. وتلك أسئلة إنسانية شاملة، لذلك فليس من المستغرب أن اكتشف قدماء العبرانيين ضرورة التصدي لها.

يقول كثير من الدارسين إن أدب الحكمة وبخاصة نشيد الأنشاد، قد أضيف مؤخراً إلى الفائمة القانونية للأسفار المقدسة العبرية مشيرين بذلك إلى أنه حتى سنة ٩٠م كان معلمو اليهود لا يزالون يتناظرون حول ما إذا كان من الواجب إبقاؤه في القائمة أم استبعاده منها. وفي سياق الحديث الذي قيل في هذه المناظرات ذلك القول الشهير للعالم (عقيبة Aqiba) "ما من رجل في إسرائيل قد جادل مرة واحدة في القول بأن سفر نشيد الأنشاد يلوث الأيدي"(٢) لأنه في كل أنحاء العالم لم يكن هناك

(١) كان سفر نشيد الأنشاد يقرأ في عيد الفصح (عيد الحصاد)، أي بعد مرور ٥٠ يوماً على عيد الفصح الأول (خروج ١٢)، وكان سفر راعوث يقرأ في عيد الأسابيع (عيد الحصاد الشعير في أواخر مايو (راعوث ٢: ٢٣، ٣-١٣)، والمراثي في التاسع من آب (أواخر يوليو) للاحتفال بذكرى دمار أورشليم ٥٨٧ ق.م، في عيد المظال (١٥-٢١ تشرين "أي في آخر سبتمبر أو أوائل أكتوبر) وهو عيد الحصاد السنوي لاستعادة ذكرى تجربة البرية بالإقامة لمدة أسبوع في مظال مؤقتة (خروج ٢٣: ٤٣-٢٣). وسفر أستير كان يقرأ في عيد البوريم Purim في ١ آذار (١٤-١٥) للاحتفال بنجاة اليهود من مكيدة هامان لإبادتهم (أستير ٩:١، ١٩-٢٤). واستخدام سفر معين في عيد محدد تقليد عبري قديم، ولكن ارتباط نشيد الأنشاد والجامعة بالعيدين المذكورين قرينها ليس واضحاً، وربما يكون عن طريق تناقض الفكر أو وهكذا فوضع المحبة/ الموت جنباً إلى جنب في نشيد الأنشاد ٦:٨ يأخذ طابعاً مميزاً في ظل الضربة العاشرة على مصر (خروج ١٢). والتشاؤم الواضح في سفر الجامعة يقابله الاحتفال البهيج بالحصاد.

(٢) "يلوث الأيدي" تعبير يطلقه معلمو اليهود لوصف الأشياء المقدسة وبخاصة الأسفار القانونية المقدسة، وهذا التعبير الشاذ قصد به أن الشخص الذي يمسك هذه الأسفار كان عليه أن يغسل يديه قبل أن يلمس أي شيء آخر (كالطعام مثلاً) لأن قداسة السفر يمكن أن تنتقل في هذه الحالة من الأيدي إلى الأشياء العادية أو الغير مقدسة.

١٣

christian-lib.com