تفسير نشيد الانشاد - التفسير الحديث للكتاب المقدس
القسم: رابعا : تفسير النشيد
coptic-books.blogspot.com
ومفتاح فهم طبيعة المنهج الرمزي هو التعليم بوحدة الكتاب المقدس، فالعهد الجديد إتمام وإنجاز للقديم، ومجيء ربنا يسوع مقدم كإتمام لكل الناموس والمواعيد. "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عبرانيين ١: ٢، ورومية ٥: ١٤) ممثل واضح على هذا المنهج، فآدم رأس الجنس البشري هو (رمز) لآدم الذي سوف يأتي أي المسيح رأس البشرية المفتداة. ويسجل لوقا ٢٤: ٢٧ أن يسوع في مساء يوم القيامة انضم لكليوباس ورفيقه في الطريق إلى عمواس، وإذ كانا يسيران في الطريق "ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب". وعلى ضوء ذلك نادى كثيرون من المعلقين بأن "الرمز" هو المدخل الصحيح لنشيد الأنشاد، ومعظمهم يرفض المفهوم المضاد للتاريخ الذي ينادي بفكرة الرمز سائدة بالماذنة، يعترفون بأن النشيد يصف العلاقات الحقيقية بين شخصياته، وإن لم تكن هذه العلاقات تاريخية بالضرورة، بل أن معظمهم يقطعون شوطاً.
ومن الناحية التاريخية فإن أغلبية الاتجاهات التفسيرية لسفر النشيد كانت من هذا النوع الرمزي، فبالنسبة لمفسري اليهود تم فهم القصة على أساس علاقة الرب بإسرائيل، كما استخدم النبي هوشع (الأصحاحات ١-٣) موقفه الخاص بزواجه الفاشل ليوضح العهارة الروحية (عبادة الأصنام) التي ارتكبها إسرائيل باتجاهه نحو عبادة البعل الإله الكنعاني، ولذا فقد كان من السهل قراءة سفر النشيد بطريقة مشابهة، فالمحبوب هو إسرائيل والمحب هو الرب، والنشيد يردد صدى تلك العلاقة التي يفترض وجودها في حالة مثالية بين الأمة وإلهها. وقد أقام بعض معلمي اليهود نموذجاً رمزياً بديعاً استخدم فيه النشيد لتتبع كل تاريخ إسرائيل من بدايته كأمة خلال كل أنواع المعاناة والاضطهاد، وحتى في مواجهة الرفض، فإن إسرائيل هي العروس المؤمنة والتي سوف تجد تأييداً من حبيبها الرب الأمين والذي سوف يشجعها ويحفظها كمحبوبته المختارة(١).
بالطبع توجد عدة وجهات نظر متباينة حيال هذا الموضوع الرئيسي، فالبعض يعرف المحبوبة بأنها الحكمة التي يبحث عنها المحب المؤمن المكرس (على سبيل المثال ص٨- ص٩)، ويقرأ آخرون النشيد وهم يفكرون في موضوع نبوي آخر، وهو محبة الرب (أو المسيا) الحافظة لبقية الأمينة التي رفضت عبادة الأوثان (التي سار على دربها أغلبية الناس)، واتبعت الله في طاعة وخضوع.
وداخل نطاق المجتمع المسيحي فالنشيد يُفهم غالباً بأنه وصف للمسيح العريس المحب لكنيسته المحبوبة (العروس) والمؤمن الأمين، ومن ثم فإن كل عدد يُقرأ بعد ذلك يُنظر إليه من خلال عيون مسيحية لما يمكن أن يكشف عنه، فيما يتعلق بتلك العلاقة، ولا تزال كثير من التعليقات الشائعة تتبع هذا المنهج بالنسبة للنشيد مع تطبيق كل ما فيه على المسيح والكنيسة، وهناك تفسير كان شائعاً في العصور الوسطى لا يزال موجوداً لدى المعلقين من الكاثوليك حيث يقولون إن المحبوبة هي "مريم العذراء" التي يقولون إن المؤمن الحقيقي يعبدها، ويستخدمون ما جاء في نشيد ٤: ٧ "كلك جميل يا حبيبتي، ليس فيك عيبة" لتدعيم عقيدة الميل بلا دنس (انظر تعليقات الكتاب المقدس الأورشليمي). وينادي آخرون بأن المحبوبة هي الكنيسة الرسمية التي يتبعها كل السائحين الروحيين الحقيقيين وأن الكنيسة سوف تشبع كل حاجاتهم الروحية. ويعلقون على نشيد ٢: ٧ "سرتك كأس مدورة لا يعوزها شراب ممزوج" بالقول بأن ذلك يشير لحوض المعمودية وإلى فعالية هذا الطقس.
وأحد أسباب تماسك وجهة النظر هذه بخصوص النشيد، هو أن العهد القديم فيه (هرمزدور ٤٥) والذي يطلق عليه "نشيد الحب" والذي اقتبس منه ما يتعلق بحياة وسيرة المسيح في العهد الجديد.
وكثيراً ما يثور الجدل بأنه إذا كان لابد من التوصل إلى قرار حول ما إذا كان تفسير النشيد لا هو بالرمزي ولا بالمجازي، فيكون القيام بتحليل دقيق للحالتين مع إيضاح أوجه الاختلافات الهامة بينهما، التي تستدعي عرض وجهات النظر لتفسيرية.
(١) قد يكون من أشهر ما كتب بهذا الصدد كتاب "التعليق على نشيد الأنشاد" بقلم المعلم (إبراهام بن اسحق هاليقي تاماك)، (ترجمة ليرن أ. فيلرمان سنة ١٩٧٠) وهو شاعر وكاتب مشهور مات في جيرونا سنة ١٢٩٣. وتعليقه يغلب عليه الطابع الرمزي وليس المجازي لأنه كان يصرف بسببه "في المنى..." "إني لا أعرف أي شخص كتب تعليقاً يحدث تناغماً بين اللغة والنص، ولقد أخذت على عاتقي القيام بتأسيس المعنى المبسط لطابق العبارة والقرينة وبذلت كل جهدي لمواءمة التفسير المستتر ليساير الزخارف اللفظية".
١٨
christian-lib.com