تفسير نشيد الانشاد - التفسير الحديث للكتاب المقدس
القسم: رابعا : تفسير النشيد
coptic-books.blogspot.com
ويندرج تحت هذا النوع من التعامل مع النص القبول الضمني للاعتقاد الأفلاطوني أو الغنوسي بأن الأشياء المادية، وبخاصة تلك المتعلقة بالجنس، شريرة بطبيعتها ويجب أن يبتعد عنها الذين يسعون في طريق الحياة الروحية.
والكتابات الرمزية عادة تقدم لمحات تفيد بأنها كذلك، فالأماكن خيالية(۱) مثل (قلعة الشك) أو (حماة اليأس)، والأسماء تكون رمزية كذلك (حكيم العالم) أو (عملاق اليأس) أو (السيد عقل "Reason")، والخط الدرامي يتجه اتجاهاً واضحاً نحو الذروة واتخاذ القرار.
ولكن لا يوجد في نشيد الأنشاد أياً من هذه العناصر، فالأماكن أماكن حقيقية كعين جدي (١٤:١)، وشارون (١:٢)، ولبنان (٩:٣)، وترصة (٤:٦).. إلخ. والناس حقيقيون كسليمان (انظر ما ذكر من قبل عنه)، والراعي والحرس وبنات المدينة، والعاشق ومحبوبته حتى وإن لم تذكر أسماؤهم. ولا يبدو في السفر أي خط درامي، صحيح أنه توجد سلسلة أحداث تنشيء موقفاً ثم تجد اتخاذ قرار، مثلاً (٣: ١-٥). ولكن الانطباع الشامل عن القصيدة أن هناك علاقة بين طرفين تسودهما أوقات من الفتور ثم التواصل، وتكرار دوري للأفكار والموضوعات الرئيسية (انظر ما يأتي عن تركيب النشيد).
والزعم بأن النشيد رمزي بالمائة كان ولا يزال واسع الانتشار بين البروتستانت لعدة أجيال، وكتاباتهم التعبدية عن النشيد منظمة تنظيماً بديعاً، ولكن هذا بالطبع لا يحل المشكلة فيما إذا كان مدخلهم الأساسي ووجهتهم مطابقة للنص نفسه أم لا. والتعليق الذي نشر حديثاً للاهوتي المصلح الشهير البروفيسور چون موراي (Murray) يقدم موجزاً رائعاً للصعوبات العامة التي يثيرها هذا البحث حيث يقول:
"لا يمكن الآن أن أعطي كل الموافقة للتفسير الرمزي لنشيد الأنشاد، وأعتقد أن أوهام التفسير المقدمة في عبارات المبدأ الرمزي" تدل على أنه لا توجد لوائح تفسيرية تهدينا لتحديد المعنى الدقيق والتطبيق الصحيح إذا انتهجنا منهج الرمز. ومع ذلك فإني أعتقد أيضاً أنه تطبيقاً للقياس الكتابي فإن النشيد يمكن أن يستخدم لتوضيح العلاقة بين المسيح وكنيسته، فعلاقة الزواج مستخدمه في الكتاب المقدس كنموذج للمسيح والكنيسة. فإذا كان النشيد يصور الحب الزوجي والعلاقة على أقدس مستويات التكريس، فإنه بالتأكيد يمكن أن يستخدم لتمثيل ما هو صحيح بدرجة فائقة في العلاقة الموجودة بين المسيح والكنيسة. وعلى المرء كذلك أن يتجنب قدراً كبيراً من التفسيرات التحكمية بل الوهمية التي تقودنا إليها.
(ب) التفسير الرمزي أو النمطي:
المدخل الثاني للتفسير هو المعروف باسم الرمزي، وكثير من الكتاب والمفسرين لا يفرقون بين هذه الطريقة وطريقة المجاز، ولكن يوجد فارق واضح يجب أن يعرف. فبينما ينكر الرمز المجازي أو يتجاهل حقيقة أو صحة قصص العهد القديم ويعرض معنى أعمق أو مخفي أو روحي للنص، فإن الرمزي يقر بصحة قصص العهد القديم ولكن يجد في تلك القصة حلقة وصل واضحة المعالم بينها وبين حادثة أو تعليم في العهد الجديد سبق للعهد القديم أن أشار إليها.
والكلمة الإنجليزية (Type) بمعنى شكل أو نمط والمستخدم هنا تأتي من الكلمة اليونانية (Typos) التي تعني إما نموذج أو الشيء الناتج عنه (كعملة تصاغ من آلة سك النقود أو الختم الموجود في الآلة نفسها)، والكلمة المرتبطة بها وهي (antitype) (antitypos) تعني "المطابقة مع شيء سابق"، وهكذا فإن ما تم إنجازه في العهد الجديد أو الـ(antitype) - يتطابق مع ما جاء بالعهد القديم والتي تمثل الـ type "المادة الأصلية". والتفسير النمطي لا يقدم معنى "مختلف" يحل محل ذلك الذي يبدو أن النص يقدمه، بل يعطي بعداً إضافياً للمعنى المرجود من قبل في النص، وهذا مشابه لما يسمى بالتحقيق المزدوج للنبوات عن المسيا في العهد القديم.
(۱) انظر كتاب سياحة المسيحي لجون بنيان (المحرر).
۱۷
christian-lib.com