سراج الكلمة
‹صفحة ٧٤ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٧٤

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


بما جاء في كورنثوس الأولى ٢: ٧ «بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا».

إن حكمة الله من منظور بولس ليست جدولاً زمنياً للأحداث، وإنما هي شخص. إننا نرى هنا تتميم التعليل اللاهوتي لشخصية المسيح وعمله والمتضمنة في الآيات (١: ١٥-٢٠). إن كل الذي خطط الله منذ البدء أن يعمله، قد عمله الآن، وما يزال يعمله في المسيح، لأجل شعبه: «لهم اختار الله أن يُعرِّف بين الأمم غنى مجد هذا السر العظيم». إن هذه العبارات يجب أن ننكبَّ على دراستها لنقف على نفحة التأكيد التي يحملها النص اليوناني، ومن هنا فإن ترجمتها الحرفية تكون: «لهم الذين أراد الله أن يعرفهم ما هو غنى مجد هذا السر في الأمم». كما في الترجمة العربية. إن ترجمة (NIV) يتبدى لنا منها أنها تريد أن تجعل «لهم» زائدة على النص، وذلك بأن تجعل (على ما يظهر) عبارة «بين الأمم» تصف «يعرِّفهم»، بديلاً عن وصفها لعبارة «هذا السر». وفي وسط هذا السر يقف الإعلان في المسيح، بأن مقاصد الله لم تكن قاصرة على اليهود، ولكنها تحتضن العالم بأسره. إن هذه الحقيقة من منظور بولس، هي التي تكشف «غنى مجد» خطة الله. إن الله قد أعلن في يسوع المسيح على أنه رب العالم كله، وأنه ملكه، وخالقه المحب والفادي. والنظر في خططه المثيرة للدهشة (بحسب المجاز اللغوي الذي استعمله بولس) يشبه ما نفعله عندما نريد أن نستكشف قصراً زاخراً بكنوزه الثمينة، وكل منها يكشف أكثر فأكثر عن عظمة وجلال المالك.

ومن بين هذه الكنوز الثمينة التي تكشف لنا تلك الحقيقة : أن شعبه يشاركونه في مجده (قارن رومية ٥: ٢). إن «رجاء المجد» هو بلا شك بسبب السر نفسه، الذي هو «المسيح فيكم». وهذه العبارة يمكن أخذها على أنها تعنى «المسيح في وسطكم» (ضمير المخاطب هنا في صيغة الجمع)، وبذلك يكون التأكيد فيها هو ما جاء مباشرة في العبارة السابقة «في الأمم». إن حقيقة أن المسيا اليهودي قد جعل مقر سكناه بين أمم العالم، يوضح لنا أن الله يقصد تمجيدهم أخيراً. ولكن على الرغم من أن هذا المعنى هو بولسي بكل ما في الكلمة من معنى، إلا أنه يحتمل أنه يكون من الأفضل أن نأخذ العبارة بالمعنى الذي جاء في (رومية ٨: ١٠)، حيث نجد أن سكنى المسيح في المؤمنين هو ضمانهم للقيامة من بين الأموات. وعلينا أن نلاحظ أنه على الرغم من أن عبارة «المسيح فيكم»، يمكن بالفعل أن تُعزى إلى كل الذين هم «في المسيح»، والعكس بالعكس، فإن هاتين الفكرتين ليستا نفس الشئ. إن المسيح يسكن بروحه في كل الذين هم أهل بيته، وحينئذ يُقال عنهم إنهم «فيه»، وتزودنا (رومية ٨: ١-١١) بأمثلة جيدة لكل من الفكرتين، وهكذا أيضاً الآيات (۲۷-۲۸) في فقرتنا الحالية.

(عددا ۲۸-۲۹): إن خطة المسيح (الآية ۲۲) هي أن «يحضر» شعبه إلى الله، قديسين وبلا لوم. وهدف بولس مشتق من هذه الخطة، وهي أنه يريد أن يحضر كل إنسان كاملاً في المسيح. إن التماثل يكشف مرة أخرى كيف أن بولس يقيم علاقة وثيقة تربط ما بين قصد الله ودعوة بولس وتكليفه بالعمل. ولأن الله يعمل، فإن بولس يعمل. إن التناقض الظاهرى يمسك بدقة بزمام الموازنة الصحيحة ما بين السيادة الإلهية والمسئولية البشرية في عمل الخدمة المسيحية، ويصل بهذه الموازنة إلى قمتها في الآية (۲۹) : «الأمر الذي لأجله أتعب أنا» ولكن حيث