رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
الاصحاح الثالث
ج- البديل: عيشوا بالتوافق مع العصر الجديد (٣: ١-٤: ٦)
والآن، كيف يمكن أن ننال القداسة الحقة؟ يجيب بولس على السؤال الضمنى في الأصحاح الثانى بالقيام بدراسة تمهيدية لاستكشاف المعنى العلمى للقيامة. وعندما يفعل ذلك يبين أن الديانة التي هاجمها (في ٢: ٨-٢٣) هي صورة هزلية ساخرة للحقيقة. إنها تجاهد للوصول إلى عبادة سماوية، وتلك العبادة قد وهبت مجاناً لكل شعب المسيح. لقد كانت هذه الديانة تركز على العالم وعلى الجسد كالميادين التي تمارس فيها القداسة عملها، ومن ثم يؤول بها الأمر في نهاية المطاف إلى أن تصبح ديانة دنيوية وجسدية. إن المحرمات القديمة إنما تضع وحوش الشهوة والكراهية في أقفاص (انظر ٣: ٥ و٨). وهناك تبقى حية وخطيرة، وتشكّل تهديداً مستمراً لآسريها. لقد كان حل بولس أكثر عنفاً وتطرفاً. إن الحيوانات يجب أن تقتل (٣: ٥). إن الأسلوب القديم للقداسة يُهاجم الأعراض والظواهر في حين أن الأسلوب الحقيقى يقتضى الغوص إلى الأعماق واقتلاع المرض من جذوره.
ومن ثم فإن هذا الجزء من الرسالة، إنما يوطد أقدام الشخص المسيحى في الدهر الجديد، ويتطلب منه (رجلاً كان أو امرأة) أن يحيا الحياة اللائقة بهذا الدهر الجديد. ويرسى بولس (في ٣: ١-٤) المبدأ الأساسى لهذا الأمر: المسيحيون قد قاموا فعلاً من بين الأموات مع المسيح. وهو يصف في ٣: ٥-١١ حياة الدهر القديم، ويخص أهل كولوسى أن يحلوا أنفسهم تماماً من الارتباط بما اعتادوه من مظاهرها. وهو يشجعهم في ٣: ١٢-١٧ على احتضان أساليب الحياة في الدهر الجديد، وفي ٣: ١٨-٤: ١ يطبق هذا الأمر بالتفصيل على الحياة اليومية في الأسرة وفي محل العمل. وأخيراً يحضّهم في ٤: ٢-٦ على الصلاة بلا انقطاع وعلى الشهادة المسيحية في العالم.
إن السمة البارزة في هذا الجزء من الرسالة هو المفارقة الواضحة والصارخة بين نمط الحياة القديمة والجديدة، على نحو ما جاء وصفها في (٣: ٥-١١، ٣: ١٢-١٧). ومن المفيد أن نتأمل للحظة في خصائص كل نمط منهما لنقف جلياً على المزاج الكلى وأسلوب الحياة، وبعد ذلك ننتقل على حين غرة إلى النمط الآخر. وفي حقيقة الأمر أنهما عالمان يقفان على طرفي نقيض. ففي الواحد منهما نجد مواقف واتجاهات وأساليب للسلوك ينتج عنها تفسخ في المجتمع الإنسانى بل أيضاً في ذات الأفراد من ذلك النوع الذي يصعب تحاشيه. وعلى الجانب الآخر نجد أسلوباً للحياة يدعو إلى التماسك والتكامل في كل من الأفراد والجماعات التي يتكون منها الشعب. وفي كلمات أخرى، نجد أن المجتمع الأول يزيل في ثبات وإصرار المظاهر الحقة للوجود الإنسانى، في حين أن المجتمع الآخر يعمل من جانبه على تقويتها وتعزيزها وتوطيد دعائمها.
إن مناشدة بولس هي للتحلل من الأسلوب الأول للحياة واحتضان الثاني، وهي مناشدة ذات أسس لاهوتية مناسبة. فهو يذكّر أهل كولوسى بالحالة التي أصبحوا الآن مقيمين فيها بسبب نعمة الله. إنهم الآن شعب الله