سراج الكلمة
‹صفحة ١٠٦ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ١٠٦

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


المختار قديسون ومحبوبون، قد اختبروا ما أفاضه الله عليهم بسخاء من نعمة غفران خطاياهم (الآيات ١٢-١٣). ثم «إنهم الآن ينتمون إلى الإنسانية الجديدة التي تجدَّدت في المعرفة في صورة خالقها». إن الخصائص الرئيسيّة للحياة القديمة إنما تترعرع بالضبط في الأوساط التي تجهل هذه الحقائق أو التي لا تقدِّر قيمتها. إن الشهوة والغضب إنما تجد حقلها الخصيبَ حيث ينعدم الأمانُ، وفي محاولة التغلب عليها، نرى الناس يبسطون سلطانَهم على جماعات بشرية أخرى، وهي في كل هذا إنما تغوص أكثر فأكثر في الخوف والكبرياءِ، والتي بدورها تزيد من مظاهر القلق. إن الإنجيل يمضي قدماً إلى جذور هذه المشكلة. إن حرية محبة الله تهاجم الكبرياءَ، كما أن أمانته تطرد الخوفَ. إن الوجود الإنساني الأصيل الذي يمتدحه بولس لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال محبة الله المسامحةِ، كما أنه لا يمكن الوصول إليه والإنسان في حالة اعتزال عن الآخرين. فإن السلوك المسيحي ليس فحسب نتيجة المحاولة وبذل الجهد لكي يكون الفرد صالحاً، ولكنه يتحقق بالاتحاد في جسد المسيح. إن الفردية التي يمتدحها كثير من المسيحيين «عن حق» كوقاء ضد الفكرة الخطيرة القائلة بأن العضوية في الكنيسةِ تجعل إيمان الفرد وتصرفاته في المرتبة الثانيةِ من الأهميةِ، يمكن بسهولة الانعطاف بها إلى الفكرة التي تماثلها في خطورتها والقائلة بأن العضوية في الكنيسةِ هي في ذاتها ليست بذات أهميةٍ. إن مقصد الله هو تعزيز السلوك المسيحيِّ وترسيخه من خلال الصداقةِ، والرفقةِ، والتعليمِ، والمشورةِ، والنقد البنَّاء القائم على المحبة لغيرنا من المسيحيينَ. وإذا فاتنا أن ندرك هذا المفهوم فإننا ننزلق إلى الاستقلالية الفردية المتغطرسةِ، والتي هي أسوأ في تأثيرها على البشر كأفرادٍ، وأكثر سوءاً بالنسبة للزملاءِ من الأفراد المسيحيينَ الذين يتألف منهم المجتمع المسيحيُّ، وهي بذلك لا تكون مظهراً للحياة الجديدةِ وإنما تكون سمةً متخلفةً عن النمط القديمِ للحياة.

ولقد لوحظ كثيراً أن بعض التفصيلات في هذه الفقرة تتداخل ليس فقط مع ما يماثلها في أفسس، ولكن أيضاً في قطاعات أخرى من كتابات العهد الجديد، وعلى سبيل المثالِ، فإنه يمكن المقارنة بين ما جاء في كولوسي ٣: ٥ و٨ مع ما جاء في مرقس ٧: ٢١-٢٢، رومية ١: ٢٩-٣٢، ١ كورنثوس ٥: ١٠-١١، ٦: ٩-١٠، غلاطية ٥: ١٩-٢١، أفسس ٥: ٣-٦، ١ تسالونيكي ٤: ٣-٨، ٢ تيموثاوس ٣: ٢-٥، ويعقوب ١: ٢١، ١ بطرس ٢: ١ و٤: ٣. وكذلك يمكن المقارنة بين ما جاء في كولوسي ٣: ١٢-١٤ مع ما جاء في رومية ٥: ٢-٥، غلاطية ٥: ٢٢-٢٣، تيطس ٣: ١-٢، يعقوب ٣: ١٧، ٢ بطرس ١: ٥-٧، وكذلك يمكن المقارنة بين ما جاء في كولوسي ٣: ١٨ - ٤: ١ بما جاء في أفسس ٥: ٢١ - ٦: ٩، تيطس ٢: ٢-١٠، ١ بطرس ٢: ١٨ - ٣: ٧. ومن الأسهل كثيراً أن نفترض أن كل هذه الفقرات تعكس المعيار الذي كان عليه التعليم المسيحي في بواكيره، والذي كان يمكن أن يتلقاه المؤمنون الجددُ، أكثر من أن نتصور إحداها كمصدرٍ لكل الفقرات الأخرى. إن هذه القوائم «للرذائل وللفضائل» لها سمات مشتركة مع القوائم الأخلاقية الأخرى غير المسيحية لهذا العصر، ولكنها تتميز عنها بصورة واضحةٍ بدوافعها المسيحيةِ التي تضع الحد الفاصلَ بينها وبين غيرها من القوائم. لقد حاول اليهوديُّ أن يعمل بكل ما تطالبه به التوراةُ للتدليل على عضويته في عشيرة إبراهيم. وكذلك حاول الرواقيون الارتفاع فوق الأهواءِ للوصول إلى حالة من الهدوء الكاملِ. في حين يحض بولس قراءَه أن يتمثلوا بالله نفسِه في الابتهاجِ والمحبة الدافقةِ، وهكذا يتسنى لهم أن يكتشفوا في المسيح معنى أن تكون إنساناً بالمفهوم الحقيقيِّ.

١٠٦