رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
قد يرى المنطق البشرى أن هذه العبارة لا تعدو أن تكون تعبيراً عن جهد بشرى (وتعنى كلمة «جهد» هنا العمل الشاق المجهد الصلب). إلا أن منطق العمل الإلهى الأعلى فى بنى البشر، يدرك تماماً حقيقة أكثر عمقاً: «مجاهداً بحسب عمله الذى يعمل فىّ بقوة». أى عمل روح الله الذى يعمل فى بولس (إن الفكرة بأكملها وثيقة الصلة بما جاء فى كورنثوس الأولى ١٥: ١٠). إن كلمة «مجاهداً» والتى جذرها اللغوى قد يعنى «التنافس فى المباريات الرياضية»، تحمل فى الأغلب فى لغة بولس، فكرة المباريات الرياضية: إن بولس لا يمضى فى عمله وهو فاتر الهمة، راجياً ذلك الرجاء الغامض أن تملأ العناية الإلهية تلك الفراغات التى كان عليه أن يملأها هو بنفسه لولا كسله. كما أنه لا يتصور أن كل شئ متروك له ليقوم به بنفسه، وأنه إذا لم يحرق نفسه بالجهد المضنى الذى لا يخمد إواره، فإنه ولا شك عاجز عن أن يحقق ما يريد إنجازه. بل هو يعرف أن إرادة الله أن يصل بالمسيحيين إلى الكمال، وأن الله قد دعاه ليسهم فى ذلك العمل. وعلى هذا فإنه يمكنه أن يعمل عملاً جاداً ومجهداً بدون أن يكون ذلك تحت ضغط دافع الرغبة فى العجب والكبرياء أو بدافع الخوف. وعلى هذا فلقد أصبح بولس مثالاً للنضج من الناحيتين البشرية والمسيحية، وأنه يسعى فى ظل عناية الله أن يكون له ثمره فى الآخرين.
كان العمل يتكون من: ننادى به «أى بالمسيح». وهذه المناداة ذات مظهرين: «منذرين كل إنسان ومعلمين كل إنسان بكل حكمة»، وهدفها الخاص «لكى نحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع». وهنا تتكرر «كل إنسان» ثلاث مرات، كما تأتى أيضاً بعد «منذرين». هذا التأكيد يتضمن أن كل مسيحى فى ذاته فى إمكانه أن يصل إلى النضج الذى يتكلم عنه بولس من حيث أن هذا الكمال رغم أنه ينطوى على «المعرفة» و«الحكمة» إلا أن هذين العنصرين لا ثقل لهما فى ميزان القدرة العقلية للإنسان العادى، ولكنهما هنا لهما ترتيب مختلف قارن (١كورنثوس الأولى ٢: ٦-١٦). فهى ليست حكمة ومعرفة من هذا العالم ولكنها من الله. «الذى ننادى به». هذه الكلمات هى بمثابة لتذكر الكارزين والمعلمين المسيحيين بدعوتهم الرئيسية، وليس (فى المقام الأول والأعظم) للتعليق على الأحداث الجارية أو للتخفيف من المشكلات البشرية، وهى فى ذاتها كأنشطة جيدة وضرورية، ولكن فوق كل شئ للإعلان بأن يسوع هو الرب.
هذا الإعلان فى تطبيقاته التفصيلية، سوف يتضمن الإنذار إلى جانب وجهه العملى والإيجابى المتمثل فى «التعليم». إن الكلمة الأولى (وهى فى اليونانية nouthetountes) على الرغم من أنه يُفهم أحياناً على أنها تعنى ببساطة «أن نضع فى ذهننا». ولكنها تتضمن على الأكثر حرص الفرد على أن يجعل ذهنه منظماً ومرتباً بحيث يكون فى مقدوره أن يعيد ترتيب الأمور المتخالفة، وربما يكون التعليم العملى ليس كافياً. ليس هناك ما يعرفنا بما يُسبب التشوش الذهنى للمسيحيين، والذى قد ينتابهم من وقت لآخر، على أنه من واجب هذا الذى ينادى بالمسيح أن يقوّم هذه الارتباكات، وأن يبحث عن الأفكار التى ليس فى مقدورهم معرفتها جيداً وأن يقيم رباطاً فيما بينها بحيث تعود بذلك الأمور إلى وضعها الصحيح، ولا يتعرض تعليمه الإيجابى لما يعوق مسيرته أو يشوش هدفه فى نفوس الذين يتلقونه، بل يتم فهمه فهماً صحيحاً، والحياة بمقتضاه. ومن ثم يكون هدف النضج واضحاً أمام العيون (ليس الكمال بمعنى أن يكون الفرد «بلا خطية»، كما يوضح فى فليبى ٣: ١٣-