رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
بشارة تمت مباشرة للجماعات غير البشرية من الخليقة. إن الله، من حيث المبدأ، قد أعلن الإنجيل لكل الخليقة التي تحت السماء. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن الكرازة كانت لبنى البشر، إلا أننا نكون مخطئين تماماً من وجهة نظر ما جاء في الآيات (١: ١٨ و ١٩ و ٢٠). والتأكيد المتكرر لكلمة (كل شئ - كل ما) هناك في مكان آخر من رسالة كولوسى، أن نحصر تأثيراتها فحسب على بنى البشر دون غيرهم من المخلوقات. إن جميع المخلوقات من الحيتان إلى مساقط المياه، قد تصالحت مع جميع نظم الخليقة مع الله. فمثل الملك الذي يصدر إعلاناً، ويرسل مبعوثيه حاملين إياه إلى الأطراف النائية لامبراطوريته، هكذا أعلن الله مرة واحدة وإلى الأبد أن العالم الذي خلقه قد تصالح معه في المسيح. إن مبعوثيه الذين انطلقوا مسرعين إلى أقصى الأرض حاملين معهم هذه الأنباء،، هم ببساطة عمال ورسل لهذه الكرازة الوحيدة السابقة ذات السلطان.
إن بولس نفسه كان من بين هؤلاء العمال والمرسلين، ولقد أصبح بولس خادماً لهذا الإنجيل، ولهذه الرسالة. إن بولس يستعمل نفس الكلمة «خادم» عن نفسه، وهي نفس الكلمة التي استعملها عن أبفراس (في ١: ٧). إنها لا تحمل معنى فنياً لوظيفة أو منصب خاص في الكنيسة، إنها تصف فحسب بولس وأبفراس كخدام أو كنظار أقيموا لنشر الإنجيل بنفس الأسلوب الذي كان على الشمامسة السبعة في أعمال ٦ الذين أفرزوا للقيام على خدمة الموائد أن يوزعوا الأطعمة على فقراء المسيحيين.
وبهذا يختتم بولس وصفه المسهب لشكره وصلاته. ولقد حرص على أن يضمنها كل الأفكار الرئيسية التي يريد أن ينميها، وأن يضعها جميعها في قرينة تبدو معها أنها ليست مجرد أفكار أو نظريات وإنما هي من صميم حياة الإيمان التي يشترك فيها هو وأهل كولوسى الآن.
جـ- خدمة بولس وأسباب كتابته للرسالة (١: ٢٤-٢: ٥)
يستكمل بولس الآن تقديمه لنفسه قبل أن يندفع بجرأة إلى مناشدته الجدلية في (٢: ٦-٤: ٦). وهو يفعل هذا الأمر بتقديم وصف كامل رائع لخدمته الدينية، لكى يكفل-كما يبدو-لأهل كولوسى الذين حتى الآن إنما سمعوا عنه بطريقة غير مباشرة، أن يفهموا الأسباب التي دعته للكتابة إليهم. وإذ وضعهم على خريطة المقاصد الإلهية في المسيح (١: ٢١-٢٣)، نرى بولس الآن يضع نفسه على نفس تلك الخريطة. إن كتابته في الوقت الحاضر ليست مغامرة عارضة أو متغطرسة. لقد كانوا موضع نظرة لبعض الوقت، خلال خدمته الدينية بتمامها، وفى آلامه، وكرازته وتعليمه وعمله وصلاته، وما هذه الرسالة إلا واحدة من الوجوه العديدة لعمله الإجمالي الذي وهبه له الله، والذي يتضمن مسئوليته عنهم.
إن أى اقتراح بأن كتابته إنما هي عمل اجترائى (بمحاولته إقحام نفسه في مجال عمل لآخر كان قد سبقه إليه) تحبطه مركزية المسيح في هذه الفقرة، والتي لها صلة مباشرة بالفكرة العظيمة الرئيسية التي قد احتلت الأصحاح الأول حتى هذه النقطة. إن آلام بولس يمكن أن تفهم، وبمعنى فيه شئ من الغرابة، على أنها ليست آلامه هو