سراج الكلمة
‹صفحة ٦٨ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٦٨

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


يمضى إلى أبعد من ذلك لبيان محتوى هذا الإيمان، وربما أيضاً أسلوب الحياة المسيحية بكاملها.

إن الكلمات «متأسسين» و«راسخين» تشير على التوالى إلى سلامة الأساسات والبناء الفوقى. إن العمل المتسم بالمثابرة فى بذل الجهد فى كل مرحلة من مراحل البناء، ينتج عنه بناء لا يتزعزع. إن هذا المجاز اللغوى يستدعى إلى الذهن ليس فقط مهنة البناء الدنيوية ولكن تأسيس شعب الله (١). والموضع الذى يجب عليه تأسيس شعب الله فإن موقعه فى الإنجيل نفسه، وإعلان يسوع المسيح كالرب (انظر الشرح فيما سبق عن ١: ٣-٥). والآن، وقد ضيق بولس آفاقه من العالم ككل إلى الكنيسة فى كولوسى، يعود فيوسعها مرة أخرى، ليوضح للكنيسة الحديثة النشأة مرة أخرى أين هو موقعها فى الخطة الإلهية. «الإنجيل الذى سمعتموه المكروز به فى كل الخليقة التى تحت السماء»، إنه يشير مرة أخرى إلى (١: ٣-٨)، ويقول إن كنيسة كولوسى بسماعها الإنجيل، قد انضمت فى هذا الشأن إلى «جمهور المستمعين» الذى يتكون من كل الخليقة التى على الأرض (مردداً صدى ١: ٦، ١٦:١). إن هذه عبارة رائعة. وأينما أرّخنا هذه الرسالة، فإن بولس كان يعرف جيداً جداً حين كتبها أن الغالبية العظمى من الشعب فى العالم المعروف فى أيامه لم تكن حتى قد سمعت اسم يسوع. إذاً ما الذى كان يعنيه بولس؟ يبدو أننا نواجه هنا بثلاث إجابات محتملة. (أ) إما أن بولس يشير إلى الكرازة بالإنجيل والتى تجد مكاناً لها فى الطبيعة من خلال الإعلان الإلهى عن طريق خلقه للعالم نفسه، أو (ب) أنه كان يفكر فى الكرازة الفريدة للإنجيل (بمعنى البشارة بربوبية المسيح)، والتى سبقت الإعلان الفعلى لبنى البشر، والتى صارت معروفة للأنواع الأخرى من الخليقة، أو (ج) أنه كان يقصد أن يؤخذ ادعاؤه هذا بالمعنى التوقعى، وأنه فى المسيح نفسه، وبواقع إرساليته إلى الأمم فإن الإنجيل (من حيث المبدأ) قد كُرِزَ به فعلاً على نطاق عالمى.

إن التفسيرين الأولين يبدوان غير محتملين. ذلك أنه حتى ولو كان بولس يؤمن بإعلان الله الآب عن نفسه فى عالم الطبيعة (والبعض ينكر هذا الأمر، ولكن هذا ما يظهر بدرجة كافية من الوضوح فى رومية ١: ١٩-٢١، فضلاً عما جاء فى أعمال (١٤: ١٧، ١٧: ٢٤-٢٦)، إلا أنه لم يقترح إطلاقاً أن الإنجيل نفسه، وهو الأخبار السارة عن يسوع المسيح، قد صار معروفاً بهذه الطريقة. كما أننا لا نجد أية أصداء فى كتاباته عن فكرة وجود كرازة مستقلة للمخلوقات من غير بنى البشر. كما أنه ليس هناك ما يوضح كيف أن بولس بنفسه يمكن أن يصبح خادماً لمثل هذه الكرازة- كما يقول فى العبارة التالية. إن رومية ١٠: ١٨ على الرغم من أنها أحياناً تؤول بهذه الطريقة، إلا أنها تشير فى سياقها إلى إرسالية بولس الذاتية إلى الأمم، والتى ترى فى منظور الله كرازة فريدة على النطاق العالمى.

كل هذا يقوى الرأى القائل بأن الإجابة الثالثة هى الصحيحة. إن صيغة الفعل فى الجملة تحتم أن تكون ترجمتها- كما فى الترجمة العربية- المكروز به- وليس «الذى قد كُرِزَ به». إن الفعل اليونانى (Keryssein) هو أحد الكلمات المألوفة التى اعتاد بولس استخدامها للتعبير عن نشاطاته الخاصة التى يقوم بها (كما يتضح من الجملة التالية)، وهذا ما يؤيد فكرة (الكرازة التى جرى القيام بها لبنى البشر أكثر من أن تكون انطباعاً عن


(١) مزمور ٤٨: ٨، إشعياء ٣٢:١٤، ٤٤: ٢٨، حجى ١٨:٢، زكريا ٤: ٩، ٨: ٩.