رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس
تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد
وكما هو الأمر الغالب، فإن بولس هنا يمزج مجازاته اللغوية، مضيفاً عبارة «بلا شكوى»، وهذه لا تبين فحسب وضعاً قانونياً، حيث كان حتماً على المدعى عليه (كالمرأة في يوحنا ٨: ١٠-١١) أن تجد نفسها وليس هناك من يتهمها. والاستخدامات الأخرى لهذه الكلمة(١) في العهد الجديد توحي بقرينة الحياة الاجتماعية بوجه عام، حيث لا يجد حتى الشخص الذى من عادته أن يكشف أسراراً شخصية أو وقائع مثيرة يتعرض بها للآخرين بطريقة عرضية، الكلمات التي يمكن أن يقولها ضد مثل هذا الشخص المذكور. أما ترجمة (NIV) فإنها تأخذ عبارة «بلا عيب» و«بلا شكوى» على أنها عبارة تشرح معنى كلمة «قديسين». أما ترجمة (RSV) والتي تجعل من هذه التعبيرات اللغوية الثلاثة تعبيرات متشابهة فإنها تعتبر الترجمة المفضلة: (أ) لأن القداسة أكثر في مضمونها من هاتين الصفتين السلبيتين، (ب) بسبب وجود حرف العطف "and" سابقاً على «بلا عيب». إن الله عندما ينظر إلى الأشخاص (كما يقول بولس) فإنه يرغب في أن يكونوا قديسين وبلا عيب وبلا لوم.
ومن ثم فإن قصد الله أن يخلق شعباً مقدَّساً في المسيح. ولقد فعل ذلك من حيث المبدأ حين سدّد ضربة قاضية إلى الخطية على الصليب، وهكذا أنجز فعلاً المصالحة، وإن هذا هو ما يفعله عملياً بإعادة تشكيل حياتهم بحسب نموذج الحياة الكاملة، حياة المسيح، (انظر ۳: ۱۰). ولسوف يفعل ذلك في المستقبل عندما يكتمل هذا العمل وتتمتع الكنيسة بكل ما تنتظره الآن بالرجاء. إن الحياة الحاضرة التي تبدأ بالحياة المسيحية الصابرة الطويلة الأناة والتي تختتم بالقيامة من الأموات، سينتج عنها إحضار المسيحيين بلا خجل أو خوف أمام الله، كرعايا تفيض قلوبهم فرحاً وابتهاجاً قدّام ملكهم.
(عدد ۲۳): هذا الوعد، مثل غالبية الوعود، له شروطه. إن الرجاء يتحقق لو ثبت المسيحيون فيه: «إن ثبتم على الإيمان متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل». إن بولس يعرف أن الإيمان المسيحي الحقيقي، هو بداءة الحياة الصالحة، التي وهبها لنا الله، والتي تكتمل أيضاً به (فيلبي ١: ٦). وهو أيضاً يعرف أن الإيمان الأصيل الصادق، يمكن أن يرى في الحياة المسيحية اليومية الصابرة الطويلة الأناة والثابتة والراسخة، بينما أن الإيمان الزائف، وإن كان يصعب كشفه في مراحله المبكرة والتمييز بينه وبين الإيمان الحقيقي، فإنه لن يلبث أن يذوى ويموت. إن الإيمان الأصيل الصادق من وجهة نظر الله، كفيل بأن يثبت إلى النهاية. ومن وجهة نظر البشر، فإنه في مقدور المسيحيين أن يكتشفوا عما إذا كان إيمانهم من النوع الأصيل والصادق وذلك فقط بالصبر على الضيقات والرجاء المسيحي الذي لا يُخزى (رومية ٥: ١-٥)، وفي هذا القول صدى أكيد لما جاء في (١: ٤-٥).
إن الفعل - يثبت - ثابتين - وفى اليونانية (epimenein) غالباً له كثير من التركيبات اللغوية المماثلة، معنى الثبات في البقاء في موضع أو موقع ما. ولا شك أنه يحمل معنى جيداً هنا لو أننا اعتبرناه على هذا النحو، وأن نرى «الإيمان» «كموضع» (ربما كما نقول «الإيمان المسيحي») حيث يتحتم على المسيحيين أن يبقوا ثابتين على الإقامة فيه، وليس فقط مجرد فعالية الإيمان. إن الإيمان يتضمن مثل هذا التحرّك النشط، ولكنه
(١) انظر (تيموثاوس الأولى ۳: ۱۰، تيطس ١: ٦-٧)، وأيضاً للقرينة المماثلة لما نعرض له الآن ما جاء في (كورنثوس الأولى ٨: ١).