سراج الكلمة
‹صفحة ٦٤ · دكتون ن تي رايت
رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس · صفحة ٦٤

رسالتا كولوسي وفليمون - التفسير الحديث للكتاب المقدس

تفسير و شرح رسالتا كولوسي وفليمون من سلسلة التفسير الحديث للكتاب المقدس - العهد الجديد


إلى التسليم بالفرضية التى تقول بأن الديانات الأخرى ليست على شئ من الحق. إن كولوسى (١: ١٦) تتضمن أن كل الفلسفات أو الديانات التى فيها ما يناسب العالم المخلوق، فإنها على هذا النحو تعكس بطريقة أو بأخرى حقيقة الله. ومع ذلك فإنها لا تتضمن بالوضع الذى هى عليه، أنها مداخل إلى الخليقة الجديدة. فإن هذا المكان (بحسب ١: ١٨) هو المسيح فحسب.

وهناك تطبيق آخر يتعلق بواجب الكنيسة فى العالم. ليس هناك مجال فى الوجود لا يكون فيه المسيح هو السيد المتسلط، وذلك بالنسبة لدوره فى كل من الخليقة (١: ١٦-١٧) ودوره فى المصالحة (١: ١٨-٢٠). ولا يمكن أن يكون هناك انقسام ثنائى بين بعض المناطق التى يسود عليها، والأخرى التى ليست خاضعة لسيادته. ليست هناك أرض محايدة فى هذا الكون: إن كل بوصة مربعة، وكل ثانية من الزمن، يطالب بها الله، ويعارضه الشيطان فى هذا المطلب. وعلى هذا فإن عمل التبشير يجب أن يكون مفهوماً لنا بصورة أفضل على اعتبار إعلان أن يسوع هو فعلاً الرب، وأنه فيه قد دخلت خليقة الله الجديدة إلى التاريخ، وشقت طريقها، وبالتالى فإن جميع الشعوب مدعوون للخضوع له بالمحبة والعبادة والطاعة. إن منطق هذه الرسالة التى على عاتق المبشرين بالكلمة يتطلب منهم أن يكون سعيهم أن يجعلوا ربوبية المسيح تنشر لواءها على كل موقع يشغله البشر، وفى كل أرجاء الوجود العالمى. إن واجب المسيحيين أن يعملوا للمساعدة على خلق الظروف التى يتمكن فيها بنو البشر، بل والخليقة كلها، للحياة التى قصد الله لهم أن يحيوها على الدوام. وهناك سلسلة كاملة من المعايير الأخلاقية التى بناها الله فى عالمه: احترام الأشخاص والممتلكات، الحفاظ على الحياة الأسرية وتدعيمها، والمحافظة على النظام البيئى للطبيعة (العلاقة بين الكائنات الحية والبيئة التى تعيش فيها) والعدل بين الأفراد والجماعات. إن المسيحيين يجب عليهم أن يكونوا بمثابة الطليعة فى تنمية مثل هذه المعايير الأخلاقية. إن هناك العديد من المناسبات التى يمكن أن نتحدث فيها عن يسوع أثناء اضطلاعنا بأعباء مثل هذه المهام، كما يجب أن يكون واضحاً أن الإنجيل يزودنا بالأساس الوطيد الذى نثبت عليه أقدامنا فى التعبير عن هذه المعايير التى تكفل الحفاظ على الحياة الإنسانية الحقة وتعزّز مسيرتها.

إن الهدف الرئيسى للسياسة الهجومية التى انتهجها بولس، وكذلك الشئ الأساسى الذى كان على الإنجيل أن يتصدى لمهاجمته، هو الوثنية. إن أى شئ يوضع فى مكان الإله الواحد لكل الأرض يعد وثناً، مهما كان مفيداً، جميلاً أم مقدساً. حتى التوراة ذاتها التى أعطاها الله يمكن أن تصبح وثناً، فكم بالأحرى تكون النظم البشرية السياسية والاقتصادية التى كانت تسود عالم بولس أو تسود الآن عالمنا. إن وثنية عالمنا المعاصر– بمطابقتها للإنجيل – تحتاج منا إلى الصلاة من الأعماق، والفطنة والتمييز والتواضع والحكمة، بقدر أكثر مما نعطيه عادة. وعدم تطبيق ذلك كما ينبغى، يعنى بكل بساطة إنكارها والتخلى عنها.

إن كولوسى (١: ١٥-٢٠) لا تقدّم للكنيسة فقط صورة ممجدة للمسيح ومن ثم للبشرية، ولكنها أيضاً تقدّمها عن الله وعالمه، وأن الله، والإنسان والعالم، من هذا المنطلق، فى حاجة إلى الفهم فى إطار علاقة كل منهم بيسوع المسيح الذى جعل الإله غير المنظور منظوراً، وقد أكمل مقصد الله فى المصالحة على الصليب، إنه قوة الله العاملة